الحياةُ أكاديميةٌ كُبْرَى، خرَّجت -عبر السِّنين- أناسًا نجحُوا وتركُوا بصماتِهم، وآخرِين تعثَّرُوا في منتصف الطَّريق، ولم يستطيعُوا مواصلة المسير. ودروسُ الحياة لا تنتهي، فهي تمرُّ علينا بأشكالٍ متكرِّرة وهيئاتٍ مختلفةٍ، وكلَّما تقدَّم بنا العمرُ اختلف تفاعلنا معها، وأدركنا مدى أهميَّتها وقيمتها في تشكيل وعينا وتجاربنا.
ولعلَّ أجملَ ما يتعلَّمه الإنسانُ من الحياة أنْ يتذكَّر دائمًا أنَّنا راحلُونَ، فما أجمل أنْ يكونَ الإنسانُ غائبًا حاضرًا في القلوب والأذهان، على أنْ يكون حاضرًا غائبًا لا يتركُ أثرًا ولا ذكرًا حسنًا. وما أعظم أنْ تبقى المكانةُ بعد ذهاب المكان، وأنْ يبقى الأثرُ الطيِّبُ شاهدًا على صاحبه.
ومن دروس الحياة -أيضًا-: لا مانعَ أنْ يكون حلمُك يلامسُ السَّماء؛ بشرط أنْ تدرك أنَّك تمشي على الأرض، وأنَّ الطُّموح الحقيقيَّ لا ينفصل عن الواقعيَّة والعمل والاجتهاد. فالإنسانُ لا ينبغي أنْ يسعى فقط ليكون ناجحًا، بل الأهم أنْ يكون صاحب قيمة ورسالة، فعندها يأتي النَّجاحُ تلقائيًّا.
وقد قيل: «إذا لم يجد الإنسانُ شيئًا يموتُ من أجله، فلن يجد -غالبًا- شيئًا يعيشُ من أجله»، فالحياةُ بلا هدف لا معنى لها، والإنسانُ بلا رسالة كالسَّفينة التي تمخرُ عبابَ البحرِ بلا بوصلة.
كما علَّمتنا الحياة أنْ نحترم عقول النَّاس، دون أنْ نمنح الثقة المطلقة للجميع، وأنْ نخالط الناس، ونأخذ منهم العِبر والدروس، فكم من إنسانٍ عاش بين النَّاس عمرًا طويلًا، ثمَّ رحل دون أنْ يعرف حقيقة كثيرٍ ممَّن حوله.
والأيامُ تسير بنا نحو المجهول، ولا تتشابه إلَّا في أسمائها، فمن المستحيل أنْ يمرَّ على الإنسانِ يومٌ يشبه تمامًا يومًا مضى، فلكلِّ يومٍ تجربته، ولكلِّ مرحلةٍ حكمتها ورسالتها.
وقد علمتنا الحياة كذلك، أنَّ النجاح له ضريبة، لا بد من دفعها، تتمثل في الصبر، والتحمل، والتغافل، وأنَّ النجاح لا طعم له إذا لم يذق الإنسان قبله مرارة الفشل، فالفشلُ ليس نهاية الطَّريق، بل قد يكون بدايته الحقيقيَّة.
ويقولُ الإمامُ الشافعيُّ -رحمَهُ اللهُ-:
«مَا حَكَّ جِلدَكَ مثْلُ ظُفْرِك
فَتَولَّ أنتَ جَميعَ أَمْرِك».
كما قال الأديبُ مصطفى لطفي المنفلوطي: «السَّعيدُ مَن اتَّعظ بغيرِهِ، والشَّقيُّ مَن اتَّعظَ بهِ غيرُهُ”.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الكُبرى أنَّ ما تقدِّمه أيدينا من خيرٍ، وعملٍ صالحٍ، وأثرٍ جميلٍ هو الذي سيتحدَّث عنَّا في نهاية المطاف، فالإنسانُ يرحلُ ويبقى أثرُه. وأهم من ذلك كلِّه، أنْ نوقن أنَّ الأمورَ كلَّها بيدِ اللهِ -سبحانَهُ وتعَالَى-، فهو المدبِّرُ الحكيمُ، ومَا علينا إلَّا السَّعي، والعمل، وحُسن التوكُّل عليه.