عندما نتحدَّثُ عن تاريخ الاقتصاد السعوديِّ، وتطوُّر القطاع الخاص، فإنَّنا نتحَّدث عن رجال أعمال، وعائلات تجاريَّة أسهمت في بناء الاقتصاد الوطنيِّ منذ عقود طويلة، واستطاعت تحويل مؤسَّسات تجاريَّة صغيرة إلى مجموعاتٍ اقتصاديَّة كُبرى، تعملُ في الصناعة، والتجارة، والعقارات، والخدمات، والصحَّة، والتَّعليم، والاستثمار.
ولم تكن الشركاتُ العائليَّة مجرَّد مشروعات تجاريَّة، تهدف إلى تحقيق الأرباح، بل كانت مدارسَ اقتصاديَّة أسهمت في تكوين رأس المال الوطنيِّ، وتوفير فرص العمل، وتوطين الخبرات، وبناء علاقات تجاريَّة امتدَّت إلى الأسواق العالميََّة.
ولعلَّ الأرقام تكشفُ -بصورةٍ أوضحَ- حجمَ هذه الثروة الوطنيَّة، فوفقًا لدراسةٍ أجراها المركزُ الوطنيُّ للمنشآت العائليَّة عام 2025، تمثِّل المنشآتُ العائليَّة نحو 95% من المنشآت العاملة في المملكة، وتوظِّف 57% من العاملِين في القطاع الخاص، وتستوعبُ نحو 48% من إجماليِّ القوى العاملة في المملكة.
إنَّ هذه الأرقام تؤكِّد أنَّنا لا نتحدَّثُ عن قطاعٍ اقتصاديٍّ محدودٍ، وإنَّما عن أحد الأعمدة الرئيسة للاقتصاد الوطنيِّ، وأنَّ المحافظة على استمراريَّة هذه الشركات أصبحت ضرورةً اقتصاديَّةً وطنيَّةً، وليست مجرَّد مصلحةٍ خاصةٍ لأصحابها.
وتكشفُ التجاربُ الدوليَّة أنَّ الشَّركات العائليَّة تمثِّل قوَّة اقتصاديََّة عالميّة هائلة، فوفقًا لمؤشِّر أكبر 500 شركة عائليَّة في العالم لعام 2025، الصَّادر عن مؤسَّسة EY، بالتَّعاون مع جامعة سانت غالن السويسريَّة، بلغت الإيراداتُ السنويَّة المجمَّعة لهذه الشَّركات نحو 8.8 تريليونات دولار، بزيادة 10% عن المؤشِّر السَّابق، ووفَّرت فرص عمل لنحو 25.1 مليونَ إنسانٍ.
والأكثر أهميَّة أنَّ 34% من هذه الشَّركات تجاوز عمرها مئة عامٍ، وأنَّ 85% منها تعملُ منذ أكثر من خمسين عامًا؛ ممَّا يؤكِّد أنَّ الاستدامة المؤسسيَّة يمكن أنْ تحوِّل المشروعَ العائليَّ إلى كيانٍ اقتصاديٍّ يستمرُّ لأجيال متعدِّدة.
وفي ألمانيا، التي تُعدُّ إحدى أهم القوى الصناعيَّة العالميَّة، كشفت دراسةٌ صادرةٌ عام 2025، عن مؤسَّسة الشركات العائليَّة أنَّ 88% من الشركات الألمانيَّة تخضع للسيطرة العائليَّة، وتوفِّر نحو 18.3 مليون وظيفة، تمثِّل 58% من العاملين في القطاع الخاص.
أمَّا في الولايات المتحدة الأمريكيَّة، فتبرز شركة وول مارت، المرتبطة بعائلة والتون، نموذجًا لشركة عائليَّة أصبحت من أكبر الشركات العالميَّة؛ ممَّا يثبت أنَّ الملكيَّة العائليَّة لا تتعارض مع الإدراج في أسواق المال، أو الإدارة الاحترافيَّة.
وهذه التجارب تقدِّم درسًا مهمًّا، وهو أنَّ نجاح الشركات العائليَّة لا يُقَاس فقط بحجم ثرواتها، وإنَّما بقدرتها على الاستمرار والنمو بعد رحيل مؤسِّسيها.
وفي المملكة أرى أنَّ من أهم الخُطوات المؤسَّسيَّة التي تستحقُّ الإشادة والتَّقدير، إنشاء المركز الوطنيِّ للمنشآت العائليَّة، الذي يمثِّل تجربةُ وطنيَّةً مهمَّةً في حماية استدامة أحد أكبر مكوِّنات الاقتصاد الوطنيِّ.
وقد بدأت فكرة المركز عام 2005، ثمَّ صدر أمرٌ سامٍ كريمٍ عام 2012، بإعادة افتتاحه ودعمه، وشهد عام 2025 نقلة تنظيميَّة مهمَّة بالموافقة على تنظيمه، ومنحه الاستقلاليَّة الماليَّة والإداريَّة.
إنَّ هذا الاهتمام من قيادتنا الرشيدة، يعكسُ إدراكًا عميقًا لأهميَّة الشركات العائليَّة في الاقتصاد الوطنيِّ، وضرورة المحافظة على استثماراتها واستمراريتها، خصوصًا مع انتقال ملكيتها وإدارتها بين الأجيال.
ويستحقُّ المركزُ ورئيسُه التنفيذيُّ الدكتورُ عائذ بن إبراهيم المبارك، الإشادة؛ بما يقدِّمه من برامجَ تدريبيَّةٍ واستشاريَّةٍ متخصِّصةٍ، ومبادراتٍ لنشر ثقافةِ الحوكمة، وإعداد المواثيق العائليَّة، وتأهيل الأجيال الجديدة للقيادة، والمساعدة في تسوية الخلافات العائليَّة بالطرق الوديَّة. ومن الإنجازات المهمَّة التي أعلنها المركزُ نجاحه في الإسهام في معالجة قضايا تجاوزت قيمتها 282 مليونَ ريالٍ، من خلال أكثر من 166 عمليَّة وساطة.
وهذه الأرقام لا تعكسُ مجرَّد تسوية خلافات ماليَّة، بل تعكس دورًا اقتصاديًّا مهمًّا في المحافظة على استقرار الشركات، والحد من آثار النزاعات على استثماراتها، والعاملين فيها.
وأرى أنَّ من أهمِّ ما يميِّز دور المركز، أنَّه لا ينتظرُ وقوع المشكلات، بل يعمل على الوقاية منها من خلال بناء منظومة للحوكمة، وتنظيم العلاقات بين الملَّاك، وتحديد مسؤوليَّات الإدارة، ووضع آليَّات واضحة لانتقال الملكيَّة والقيادة.
كما أنَّ نظام الشركات السعودي، الذي بدأ تطبيقه في يناير 2023، عزَّز هذا التوجُّه بالسَّماح للشركاء والمساهمين بإبرام مواثيق عائليَّة تنظِّم الملكيَّة والإدارة وتوظيف الأقارب؛ وتوزيع الأرباح وتسوية الخلافات.
إنَّ أكبر التحدِّيات التي تواجه كثيرًا من الشركات العائليَّة لا تتمثَّل في المنافسة التجاريَّة وحدها، وإنَّما في انتقال الشركة من الجيل المؤسس إلى الأجيال التالية. فقد ينجح المؤسس في بناء شركة كبيرة خلال خمسين عامًا، ثم تواجه الشركة بعد وفاته خلافات بين الورثة حول الإدارة، أو توزيع الأرباح، أو بيع الأصول. وقد تؤدِّي هذه الخلافات إلى إضعاف الشركة، أو تقسيمها، أو تصفيتها، وضياع قيمة اقتصاديَّة تراكمت عبر عقود. ومن هنا فإنَّني أرى أنَّ المحافظة على الشركات العائليَّة، يجب أنْ تكون جزءًا من إستراتيجيَّة تعزيز استدامة القطاع الخاص السعودي.
وأقترح أنْ يتوسَّع المركز الوطني للمنشآت العائليَّة في إعداد دراسات اقتصاديَّة سنويَّة توضِّح حجم مساهمة الشركات العائليَّة في الناتج المحليّ الإجماليِّ، وحجم استثماراتها، وعدد العاملين فيها، ومعدَّلات نموِّها واستمراريتها. كما أقترح إنشاء مؤشرٍ وطنيٍّ لقياس استدامة الشركات العائليَّة، يتضمَّن مستوى الحوكمة، ووجود المواثيق العائليَّة، وجاهزيَّة الجيل القادم لتولِّي القيادة.
وأرى أهميَّة إطلاق برنامج وطنيٍّ لتأهيل أبناء العائلات التجاريَّة، بالتعاون مع الجامعات السعوديَّة، والمراكز الدوليَّة المتخصِّصة في حوكمة الشركات العائليَّة، وإعداد الجيل الثاني والثالث والرابع من قياداتها.
كذلك أقترحُ إعداد دراسة وطنيَّة عن الشركات العائليَّة التي توقَّفت، أو تفكَّكت خلال العقود الثلاثة الماضية، وتحليل أسباب ذلك، وآثاره على الاقتصاد الوطنيِّ، حتى نستفيد من التجارب السابقة ونمنع تكرارها.
ولا بُدَّ من التأكيد أنَّ حماية الشركات العائليَّة لا تعني التدخل في ملكيتها الخاصَّة، وإنَّما توفير البيئة التنظيميَّة والاستشاريَّة التي تساعد أصحابها على المحافظة عليها وتنميتها. وإذا كان الآباءُ والأجدادُ قد نجحوا في بناء هذه الثروات، فإنَّ مسؤوليتنا اليوم، هي توفير البيئة التي تضمن استمرارها لأبنائنا وأحفادنا؛ لتبقى مؤسسات اقتصاديَّة وطنيَّة قويَّة لمئات السنين المقبلة.