كانت مذكرةً صغيرةً خضراءَ.. ولكن بعضُ الأشياء يصغرُ حجمُها في اليدِ.. ويكبرُ معنَا حتََّى يملأ وطنًا.
وقعتْ بين يدي، بعد أنْ غابَ صاحبُها.. ففتحتُها كما تُفتح أمانة.. لا كما يُفتح كتابٌ. كان الحبرُ هادئًا.. وكان الخطُّ بسيطًا.. غير أنَّ وراء كلِّ سطرٍ رجلًا يسهرُ حيث ينامُ النَّاس.. ويتعبُ كي يستريحُوا.. يقفُ في آخر حدود الوطن، كأنََّما أُقيم هناك ليقول للخطر إلى هنا.. ثمَّ لا خطوة.
لم يكتبْ عن نفسه كما يكتبُ الباحثُون عن البطولةِ.. فالرجالُ الذين يصنعونها قلَّما يجدُون وقتًا للحديث عنها. كتبَ عن يومه.. عن التَّعب.. عن البُعد.. عن شوقٍ يكابرُ به القلب.. ثمَّ مرَّ على كل ذلك مرورَ مَن يعرف أنَّ للواجب كلفةً.. وأنَّ بعض الأثمان تُدفَع راضيةً؛ لأنَّ ما يُشترَى بها أعظم.
بين سطورهِ بردُ الليالي.. ووحشةُ المواقعِ البعيدة.. وغبارُ الأرض.. وقلقُ أهلٍ ينتظرُون. ومع ذلك لم يكن في كلماته انكسارٌ. كان فيها ذلك الكبرياءُ الهادئُ الذي لا يعرفُه إلّا مَن حمل وطنه في صدرهِ، وعلى كتفهِ حتى أصبح الدفاعُ عن غريزةٍ لا مهمَّة.
ثمَّ جاءت الصفحاتُ الأخيرةُ.. وكان يمكنُ لرجلٍ على تخوم الخطر، أنْ يكتبَ خوفَه.. لكنَّه كتبَ الدُّعاء.. يمكن أنْ يعدِّد أوجاعَه.. ولكنَّه كتب محبَّته.. يمكن أنْ يشكوَ ما لقي.. لكنَّه اختار أنْ يترك لأهلهِ فخرَه.. كأنَّما أرادَ أنْ يقولَ لهم فإنْ بلغكم خبرِي يومًا.. فلا تسألُوا كمْ تعبتُ.. بل تذكّرُوا لماذا بقيتُ.
حتى غلاف المذكرة كانَ أخضرَ.. أخضر كلونِ الرَّاية التي كان يحرسُ ظلها.. كأن هذا الدفترَ لم يكن مذكرةَ رجلٍ.. ولكن قطعة من الوطن حملها معه إلى أطرافه.. كتبَ فيها أيَّامه.. ثمَّ تركها لنا.. لتقول إنَّ الرَّايات لا تبقى عاليةً بالريحِ.. بل بالأكتافِ التي تحملها.. والرجالِ الذين إذا اقتربَ الخطرُ ثبتُوا بينه وبين أهلهم.
هناك عند الحدود يتغيَّر معنى الوطن.. لا يعود خريطةًً ولا نشيدًا ولا اسمًا في جوازات السفر. يصبح بيتًا خلفك.. وأمًّا.. وأطفالًا.. ومدنًا نائمةً مطمئنةً.. وتدرك أنَّ أمن الملايين قد يبدأ منٍ رجل واحدٍ يرفض أنْ يتراجع.
ذلك هو الشَّهيد.. يرحلُ جسدُه.. ويبقى موقفُه ثابتًا.. يسكت صوتُه.. وتظل كلماتُه أعلى من الضَّجيج.. وتغلق مذكرته.. لكن صفحتها الأخيرة لا تُغلَق؛ لأنَّها تُكتب في ذاكرة وطن.
سلامٌ على يدٍ كتبتْ، ثمَّ حملت السِّلاح... وسلامٌ على عينٍ سهرتْ ليطمئن الآخرُون.. وسلامٌ على قلبٍ اشتاق إلى أهله.. ولكنَّه حين ناداه الوطنُ لم يلتفتْ إلى الخلف.
أمَّا المذكرةُ الخضراءُ، فستبقى شاهدًا صغيرًا على حقيقةٍ كبيرةٍ.. أنَّ حدود الأوطان لا ترسمُها الخرائطُ المصمتة.. بل ترسمُها أقدامُ رجالٍ ثبتُوا.. وصدورُ رجالٍ قالتْ للخطرِ من هنا يبدأ الوطنُ.. ومن هنا لن تمرَّ.