ليس السؤال الأهم اليوم: متى تتحرَّرُ اليمن؟ بل: ماذا بعد التَّحرير؟ ومَن يضمن ألَّا تعود البلاد إلى دائرة الصِّراع من باب آخرَ؟
فقد مضت سنواتٌ طويلةٌ واليمن يدفعُ الثَّمن، شعبٌ أنهكته الحربُ، واقتصادٌ استنزفته الانقساماتُ، ومدنٌ وقبائلُ وقوى سياسيَّة تباينت مصالحُها وتعدَّدت ولاءاتُها، وفي مثل هذه الظُّروف قد يصبح استمرارُ الفوضى مصلحةً لبعض المتنفِّذِين، وتجَّار الحُروب، بينما يبقى المواطنُ اليمنيُّ هو الخاسرُ الأكبرُ، يفقدُ أمنَه ورزقَه ومستقبلَ أبنائِهِ.
ومنذ بداية الأزمة، أدركت المملكةُ أنَّ أمن اليمن من أمنِها، وأنَّ تركَه فريسةً للمليشيات والمشروعات الخارجيَّة خطرٌ لا يهدِّد اليمن وحده، بل أمن الخليج، والمنطقة، والممرَّات المائيَّة الدوليَّة. لذلك وقفت المملكة إلى جانب الشرعيَّة اليمنيَّة، وقدَّمت دعمًا سياسيًّا وعسكريًّا وإنسانيًّا وتنمويًّا، ولم يكن هدفها فرض وصاية، أو تحقيق مكسبٍ عابرٍ، بل مساندة اليمنيِّين لاستعادة دولتهم، وحماية هُويَّتهم، ووحدة أرضهم.
إنَّ أيّ انتصارٍ عسكريٍّ -مهما كان مهمًّا- لا يكتملُ إلّا بانتصار سياسيٍّ يحمي نتائجه، فالتحريرُ الحقيقيُّ لا يعني فقط إخراج المليشيا من المُدن والمعسكرات، بل يعني إعادة الدولة إلى مؤسساتِها، وحصر السلاح بيد جيشٍ وطنيٍّ واحدٍ، وعودة القانون ليحكم الجميعَ دونَ استثناءٍ.
والقبائلُ اليمنيَّةُ بما لها من تاريخٍ ومكانةٍ وتأثيرٍ، قادرةٌ على أنْ تكون جزءًا من الحلِّ، لا وقودًا لصراع جديد، لكنَّها لن تنجح وحدها في إدارة مرحلة ما بعد الحرب، ما لم تتوافق القوى السياسيَّة والاجتماعيَّة على مشروعٍ وطنيٍّ جامع، يحفظ وحدة اليمن، ويصون حقوق مناطقه، ويمنع الإقصاء والثأر، وتقاسم النفوذ.
وهنا يبرز الدورُ السعوديُّ الكبير في دعم أيِّ توافق يمنيٍّ - يمنيٍّ، يجمع القبائل، والقوى السياسيَّة والمجتمعيَّة تحت سقف الدولة الشرعيَّة، بعيدًا عن الإملاءات الخارجيَّة، والسلاح المنفلت. فالمملكةُ تملكُ من الثقل السياسيِّ، والخبرةِ، والعلاقات ما يؤهِّلها لأنْ تكون سندًا للسَّلام والاستقرار، وإعادة الإعمار كما كانت سندًا لليمن في أحلك ظروفه.
وبعد أنْ تضع الحربُ أوزارها، يجب ألَّا ينشغل اليمنيُّون بتقاسم المواقع، والمناصب، بل ببناء الإنسان اليمنيِّ، فالتعليم هو المعركة الأهم بعد معركة التَّحرير، لا دولة قويَّة بمدارس مهدَّمة، ولا اقتصاد ناهض بشبابٍ محرومٍ من العلم والمهارة، ولا مستقبل آمن إذا بقي الأطفالُ أسرَى الفقرِ، والتجنيدِ، والأفكارِ المتطرِّفة.
إنَّ إعادة تأهيل المدارس والجامعات، وتطوير التعليم الفني والمهني، وفتح أبواب العمل والاستثمار، وإعمار الطرق والمستشفيات، ومرافق المياه والكهرباء هي الطريق الحقيقي لتحويل النَّصر من لحظةٍ عسكريَّةٍ إلى نهضةٍ وطنيَّةٍ مُستدامةٍ.
وهنا تستطيعُ المملكة بما تملكه من تجربةٍ تنمويَّةٍ رائدةٍ، ورُؤيةٍ طموحةٍ أنْ تكون شريكًا أساسًا في إعادة إعمار اليمن، وتأهيل شبابه، وتمكينه من استعادة مكانته الطبيعيَّة في محيطه العربيِّ. فاليمنُ لا يحتاج إلى هدنةٍ مؤقَّتةٍ فحسب، بل إلى مشروعِ نهضةٍ يعيدُ للأبناء حقَّهم في التعليم، وللشباب حقَّهم في العمل، وللمواطن حقَّه في الأمن والكرامة والحياة المستقرَّة.
الخاتمة: اليمنُ يستحقُّ أنْ يتحرَّرَ من الحوثيِّ، ومن الفوضَى معًا، وأنْ ينتقلَ من منطقِ الغلبةِ والسلاحِ إلى منطقِ الدولةِ والشراكةِ والبناءِ.