كان فنانًّا شاملاً، جمع الغناء والتلحين والعزف، وأسهم في تأسيس الأغنية السعودية الحديثة، ومهَّد الطريق أمامها إلى الجمهور العربي، بإضافة نوعية غيّرت بناء الأغنية ووسَّعت آفاقها، مع الاحتفاظ بأصالة البيئة التي انطلق منها.
شكَّلت «وردك يا زارع الورد»، التي لحّنها طلال وسجّلها للإذاعة عام 1959، علامة فارقة؛ فقد قدَّمها في قالب الأغنية المكبلهة، المبنيَّة على مقاطع تتيح التنويع اللحني، وتُعمّق مسار التجديد في أعمال مثل «مقادير» و»أغراب».
وكان طلال ملحّنًا مبدعًا أيضًا؛ فمن ألحانه «زمان الصمت» و»عطني المحبة»، وقد غنَّت من ألحانه أصوات عربيَّة بارزة، منها وردة الجزائرية وفايزة أحمد وسميرة سعيد وذكرى؛ فكان صانعًا للأغنية، لا مؤديًّا لها فحسب.
ومَن لا يُثمِّن مشاركاته المتميزة في «مسرح التلفزيون»، التي شكَّلت نافذة مهمّة إلى الجمهور؟ فقد قدَّم خلالها «مشغول وشاغلني» و»يا زين يا طول الليالي»، وجمع بين الأغنية والموَّال، في وصلات من المواويل؛ منحت صوته مساحة للشجن، وهيّأت المستمع للدخول في أجواء الأغنية.
وتستحضر تسجيلات جلساته كتسجيل أغنية «الليل ما يحلى إلا بجلَّاسه» في مجلس الشيخ حسين شبكشي، دفء المجلس وبهجة اللقاء؛ فالأغنية، من كلمات الشاعر أحمد قنديل وألحان طلال وتقديم المذيع بدر كريم، تنسجم مع الألفة والبساطة التي ميَّزت لقاءاته الطربية مع خيرة «جُلَّاسه».
وفي الموَّال تجلَّت فرادته؛ حتى استحق لدى محبِّيه، لقب «ملك الموَّال» عبر مواويل؛ طوَّع فيها النغمة لخدمة الكلمة، ومنح الوقفة قيمتها التعبيريّة، بعيدًا عن استعراض يطغى على المعنى.
وعبر حفلاته ومشاركاته العربية وانتشار أعماله، وفي مقدمتها «مقادير» و»أغراب»، أسهم طلال في مخاطبة المستمع العربي بلغة الإحساس، مع احتفاظها بخصوصية لهجتها ووجدانها.
وجمعت طلال مداح ومحمد عبده علاقة فنية وإنسانية امتزجت فيها الرفقة الطيبة بالمنافسة المحتدّة؛ وقد عبَّر محمد عبده عن منزلة طلال بقوله: «طلال هو رجل الأغنية السعودية الأول، وهو الأصل ونحن نتفرَّع منه»؛ وهي شهادة تختصر الاعتراف بريادته وأسبقيته.
رحم الله طلال مداح؛ ترك تجارب تُدرَّس، وأُلفة تتجدَّد كلَّما سمع صوته، كأن غائبًا عزيزًا عاد، وعاد معه زمن جميل من أعمارنا. وبين التأسيس والتجديد والانتشار، بقي «صوت الأرض» شاهدًا على أن الفنان الكبير، يترك للأزمنة التالية شيئًا من روحه العبقة.