يحملُ الشابُّ بعد تخرُّجه أحلامًا كبيرةً، وربَّما يظنُّ أنَّ الخُطوة التَّالية ستكون واضحةً، وظيفة تناسب تخصُّصه، وبداية مهنيَّة يضع فيها كلَّ ما تعلَّمه، لكنَّ الواقعَ قد يكون مختلفًا، فقد تطولُ رحلة البحث، أو يجد نفسه أمام فرصٍ لا تشبه ما تخيَّله، أو يكتشف أنَّ الطريق إلى النَّجاح يحتاجُ إلى مهاراتٍ وتجاربَ لم يتعلَّمها في قاعات الدِّراسة.
في تلك اللحظة، يصبحُ السؤال الأهم: هل ننتظرُ الفرصة المناسبة، أم نبدأ من حيث نحنُ، بما نملكه من معرفةٍ وطموحٍ، ونعمل على تطوير أنفسنا حتَّى نصبح أكثر قدرةً على الوصول إليها؟
يكتسب هذا السؤالُ أهميَّةً خاصَّةً في وطننا الحبيب اليوم، وهي تمضي في تحوُّلات اقتصاديَّة وتنمويَّة تفتح مجالات جديدة للعمل والإنتاج، وتمنح الشباب مساحاتٍ أوسعَ للمشاركة، فالفرصُ لم تعد محصورةً في الوظيفة التقليديَّة، بل باتت تمتد إلى قطاعات تتنامى فيها الأنشطةُ والمشروعاتُ، وتحتاج إلى أفكار جديدة، ومهارات متنوِّعة، وعقول قادرة على التعلُّم والتجربة.
لعلَّ قطاع السِّياحة يقدِّم مثالًا واضحًا على ذلك، فقد استقبلت المملكةُ نحو 122.6 مليون سائحٍ محليٍّ ووافدٍ خلال عام 2025، وبلغ الإنفاقُ السياحيُّ نحو 303.7 مليارات ريال، وخلف هذه الأرقام الكبيرة تفاصيل كثيرة، قد لا نلتفت إليها دائمًا: مشروع ضيافة صغير، أو تجربة سياحيَّة مبتكرة، أو خدمة رقميَّة تسهِّل رحلة الزائر.
وفي عالم المنشآت الصغيرة والمتوسطة، تجاوز عدد المنشآت في المملكة 1.8 مليون منشأة، خلال عام 2025، وهذا الاتِّساع يلفت الانتباه إلى طريق آخر للنجاح، لا يبدأ بالضَّرورة برأسمالٍ كبيرٍ، أو فكرة استثنائيَّة، بل قد ينطلقُ من ملحوظة احتياج في الحي، أو تقديم خدمة بصورة أفضل، أو تطوير مهارة يستطيع صاحبها تحويلها إلى مصدرِ دخلٍ.
لا ينبغي أنْ نختزلَ صناعة الفًرص في مطالبةِ الشباب بإنشاء المشروعات، أو تحميلهم وحدهم مسؤوليَّة الوصول إلى النجاح، فليس كلُّ شابٍّ مطالبًا بأنْ يكون رائدَ أعمالٍ، وليس كلُّ تأخُّر في الحصول على وظيفة دليلًا على ضعف الاستعداد، أو قلَّة الطموح، فهناك ظروفٌ وتحدِّياتٌ حقيقيَّةٌ، وهناك حاجةٌ مستمرَّة إلى فرص عمل نوعيَّة، وبرامج تدريب أكثر ارتباطًا باحتياجات السوق.
لكن ما يستطيع الشابُّ فعله، مهما كانت ظروف البداية، هو ألَّا يجعل الانتظار محطَّته الوحيدة، أنْ يتعلَّم مهارةً جديدةً، ويبحث عن تجربةٍ عمليَّةٍ، ويستفيد من برامج التأهيل، ويجرِّب، ويسأل، ويعيد المحاولة.
قد لا تكون الفرصة الأولى هي الوظيفة التي يحلمُ بها، لكنَّها قد تكون خطوةً تقرِّبه منها، وقد لا تتحوَّل الفكرة الأولى إلى مشروعٍ ناجحٍ، لكنَّها قد تقوده إلى فكرة أفضل، وفي أحيان كثيرة، لا نعرفُ قيمة الخُطوة الصَّغيرة إلَّا بعد أنْ نقطع مسافةً أطولَ.
* الخلاصة:
لا تنتظروا الفرصة حتى تأتيكم مكتملة، ابدأوا بما تملكون، وتعلموا مما تواجهون، ولا تخشوا البدايات الصغيرة.