القرارات الاقتصاديَّة الناجحة هي التي تُحقِّق المصلحة الوطنيَّة على المدى البعيد، وتوازن بين متطلّبات التنمية الاقتصاديَّة وحماية المستوى المعيشيِّ للمواطنين، ومن هذا المنطلق، أرى أنَّ القرارات الأخيرة المتعلِّقة بتعديل تعرفة استهلاك الكهرباء والمياه، وما صاحبها من توجيهات ملكيَّة كريمة لدعم المواطنين ماليًّا، تمثِّل خطوةً مهمَّةً في مسيرة الإصلاح الاقتصاديِّ السعوديِّ، وتعكس رُؤية قياديَّة تدرك أنَّ استدامة الموارد لا تقلُّ أهميَّة عن حماية الإنسان الذي يمثِّل محور التنمية وغايتها.
لقد جاءت توجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، بناءً على ما عرضه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء؛ لتؤكِّد أنَّ الإصلاح الاقتصاديَّ في المملكة لا ينفصلُ عن المسؤوليَّة الاجتماعيَّة للدولة، فالقرار لم يقتصر على تعديل أسعار الخدمات، بل صاحبه دعمٌ ماليٌّ مباشرٌ لفئاتٍ واسعةٍ من المواطنِين، في معادلة تجمع بين ترشيد الاستهلاك، والمحافظة على القدرة الشرائيَّة للأُسر.
ومن أبرز ما تضمَّنته القرارات؛ زيادة بدل شهريٍّ بمقدار 500 ريال للفئات المشمولة من الموظَّفين المدنيِّين والعسكريِّين، والمتقاعدِين والمستحقِّين، من أسر المشترِكين أو المتقاعدِين المتوفين الخاضعِين لنظام التأمينات الاجتماعيَّة، إلى جانب دعمٍ شهريٍّ بالقيمة نفسها للأُسر المستفيدة من الضمان الاجتماعيِّ، وفق الضوابط المنظِّمة. ويعادل هذا الدعم 6 آلاف ريال سنويًّا لكلِّ مستفيد مستحقٍّ للمبلغ الشهريِّ الكامل.
والحقيقة أنَّ الأهميَّة الاقتصاديَّة لهذا التوجُّه لا تكمن فقط في قيمة الدعم، وإنَّما في فلسفته؛ إذ تنتقلُ الدولةُ تدريجيًّا من دعم أسعار الخدمات بصورةٍٍ عامَّةٍ، يستفيدُ منه الجميعُ بصرف النَّظر عن مستويات دخلهم وحجم استهلاكهم، إلى تقديم دعمٍ نقديٍّ مباشرٍ للفئات المشمولة، مع إعطاء المواطن حافزًا ماليًّا للمحافظة على الموارد، وترشيد استخدامها.
ففي نظام دعم الأسعار، قد يستفيدُ صاحبُ المنزل الكبير، والاستهلاك المرتفع من دعمٍ حكوميٍّ يفوق ما يحصل عليه المواطنُ محدود الاستهلاك، أمَّا عندما يكون الدعم نقديًّا، فإنَّ الأسرة التي تحسن إدارة استهلاك الكهرباء والمياه، تستطيع الاحتفاظ بجزءٍ أكبر من الدعم لتوجيهه إلى احتياجاتٍ أُخْرى، وهو ما يعزِّز كفاءة الإنفاق على مستوى الدَّولة، والأُسرة معًا.
ولعلَّ من المهم أنْ نتوقَّف عند بعض الأرقام: فقد ارتفعت تعرفة استهلاك الكهرباء السكنيَّة للشريحة التي لا تتجاوز 6 آلاف كيلوواط ساعة شهريًّا من 18 هللة إلى 21 هللة للكيلوواط ساعة، أي بزيادة قدرها 3 هللات، تعادلُ نحو 16.7% في سعر استهلاك هذه الشريحة، وهذه الزيادة ينبغي تقييمها في ضوء إجماليِّ الفاتورة الجديدة، بما في ذلك الرُّسوم الثَّابتة والضَّرائب، وليس من خلال نسبة زيادة سعر الاستهلاك وحدها.
إنَّ المملكة دولة ذات طبيعةٍ مناخيَّةٍ خاصَّة، ترتفعُ فيها درجات الحرارة خلال أشهر طويلة من السنة؛ ممَّا يجعل الكهرباء ضرورةً معيشيَّةً، وليست ترفًا، كما أنَّ إنتاج المياه المحلَّاة ونقلها وتوزيعها، يتطلَّب استثماراتٍ ضخمةً في البنية التحتيَّة، والطَّاقة والتقنيات الحديثة، ولذلك فإنَّ المحافظة على استدامة هاتين الخدمتين تمثِّل مسؤوليَّة اقتصاديَّة ووطنيَّة مشتركة.
ولا يمكن لدولة تطمح إلى تحقيق مستهدَفات رُؤية 2030، وتوسيع أنشطتها الصناعيَّة والسياحيَّة والعمرانيَّة، أنْ تتجاهل أهميَّة رفع كفاءة استخدام مواردها الأساسيَّة، فكلُّ كميَّة من المياه يتم توفيرها، وكل وحدة من الكهرباء يجري ترشيد استهلاكها، تسهم في تخفيف الضَّغط على الشبكات والمنشآت، وتساعد على توجيه الاستثمارات إلى التوسُّع وتحسين جودة الخدمات.
ومن الجوانب الإيجابيَّة المهمَّة في القرارات الأخيرة، أنَّها لم تغفل العاملِين السعوديِّين في القطاع الخاص، إذ تضمَّنت رفع الحد الأدنى للأجر اللازم لاحتساب العامل السعوديِّ كاملًا في نسب التوطين ببرنامج «نطاقات» إلى 5 آلاف ريال، ثمَّ إلى 6 آلاف ريال وفق المدد المحدَّدة، ورغم أنَّ هذا الإجراء لا يمثِّل زيادة إلزاميَّة عامَّة لجميع رواتب القطاع الخاص، فإنَّه يوفِّر حافزًا تنظيميًّا لتحسين الأجور، ويعزِّز أهميَّة الوظائف المنتجة ذات الدخل المناسب.
وأرى أنَّ هذه الخطوة تستحقُّ التَّأييد؛ لأنَّها تعالج جانبين مترابطين من السياسة الاقتصاديَّة: كفاءة تسعير الخدمات من جهةٍ، وتحسين أدوات الحماية الاجتماعيَّة، ودعم سوق العمل من جهةٍ أُخرى.
كما أدعو إلى التوسُّع في برامج كفاءة الطَّاقة، ودعم استخدام الأجهزة الموفِّرة للكهرباء والمياه، وتشجيع المباني الحديثة على تبنِّي تقنيات العزل الحراريِّ، وإعادة استخدام المياه حيثما أمكن، فالترشيد الحقيقيُّ لا يتحقَّق برفع التعرفة وحدها، وإنَّما بتوفير الوسائل التي تساعد المواطن على خفض استهلاكه دون الإضرارِ بجودة حياتِهِ.
إن القيادة الاقتصادية الحكيمة، ليست تلك التي تؤجل القرارات الضرورية لأي سببٍ من الأسباب، بل التي تتخذ القرار المناسب، وتوفر في الوقت نفسه الأدوات اللازمة لحماية المجتمع من آثاره السلبية، وهذا ما يجعل الجمع بين تعديل التعرفة، والدعم النقدي المباشر توجهًا يستحق التأييد.
وفي الختام، أرى أنَّ هذه القرارات تعكس فهمًا متقدِّمًا للعلاقة بين الإصلاح الاقتصاديِّ، والعدالة الاجتماعيَّة، فالمملكة لا تستهدفُ رفع أسعار الخدمات باعتباره غايةً، وإنَّما تسعى إلى بناء منظومةٍ أكثر كفاءة واستدامة، مع استمرار مسؤوليَّتها في حماية المواطن، ودعم استقرارِه المعيشيِّ.
إنَّ قوَّة الاقتصاد الوطنيِّ لا تُقَاس فقط بحجم موارده وإيراداته، وإنَّما بقدرته على إدارة تلك الموارد بكفاءة، وتحقيق العدالة في توزيع الدَّعم، والمحافظة على رفاهيَّة الأجيال الحاليَّة والقادمة.