ليست العلاقات بين الدول صفحاتٍ تُكتب بالحبرِ وحده، بل مواقف تُختبَر عند الشَّدائد، وتبقى راسخةً في ذاكرة الشُّعوب. ومن أنبل صفحات التَّاريخ العربيِّ الحديث، ما سطَّرته المملكةُ العربيَّةُ السعوديَّةُ في مساندتها للشَّعب الجزائريِّ خلال كفاحه الطَّويل ضد الاستعمار الفرنسيِّ؛ إذ لم تكن تلك المساندة موقفًا عابرًا، أو تعاطفًا عاطفيًّا، بل نهجًا ثابتًا جمع بين السياسة، والدبلوماسيَّة، والإعلام، والتَّضامن الشعبيِّ، حتَّى استعادت الجزائر حريَّتها واستقلالها عام 1962م.
منذ اندلاع الثورة الجزائريَّة في الأوَّل من نوفمبر 1954م، وقفت المملكة إلى جانب حقِّ الشعب الجزائريِّ في تقرير مصيره، وسعت إلى نقل قضيَّته من دائرة التَّجاهل الاستعماريِّ إلى ساحات الاهتمام العربيِّ والدوليِّ. وفي الخامس من يناير 1955م، تقدَّمت المملكة برسالة إلى رئيس مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، لفتت فيها أنظار المجتمع الدوليِّ إلى خطورة الأوضاع في الجزائر، وما يتعرَّض له شعبها من قمعٍ عسكريٍّ واستعماريٍّ. وكان ذلك تحرُّكًا مبكِّرًا، أسهم في تدويل القضيَّة، وإبقائِها حاضرةً على جدول أعمال المؤسَّسات الدوليَّة.
وكان للدبلوماسيِّ أحمد الشقيري دورٌ بارزٌ في الدِّفاع عن القضيَّة الجزائريَّة في الأمم المتحدة، ممثِّلًا للمملكة في مرحلةٍ مهمَّةٍ من مراحل الثَّورة. فقد استخدم المنبر الدوليَّ لعرض معاناة الجزائريِّين والدفاع عن حقِّهم في الحريَّة والاستقلال، مستندًا إلى الحجَّة السياسيَّة والقانونيَّة، وإلى صوتٍ عربيٍّ واضحٍ في مواجهة الرواية الاستعماريَّة الفرنسيَّة. ولم يكن حضوره الدبلوماسي معزولًا عن توجُّه المملكة، بل جاء امتدادًا لموقفٍ سياسيٍّ تبنَّته قيادتها، وأكَّدته في المحافل الدوليَّة. ولم تقف النصرة السعوديَّة عند حدود البيانات والمرافعات السياسيَّة؛ فقد امتدَّت إلى الدعم الماليِّ والإنسانيِّ.
واتَّخذ الموقفُ السعوديُّ أبعادًا سياسيَّة أوسع في سياق مواجهة العدوان الثلاثيِّ على مصرَ عام 1956م؛ إذ قطعت المملكةُ علاقاتها الدبلوماسيَّة مع فرنسا وبريطانيا، ورفضت العدوان، كما اتَّخذت إجراءات للضغط على الدول المُعتدية. ومن المهمِّ تاريخيًّا التَّمييز بين سبب قطع العلاقات آنذاك، وهو العدوان على مصرَ، وبين موقف المملكة من القضيَّة الجزائريَّة؛ فقد استمرَّ عدم استئناف العلاقات مع فرنسا حتى عام 1962م، وربطت المملكة عودتها باعتراف فرنسا باستقلال الجزائر، واستعادة الشعب الجزائريِّ حقوقه.
وهكذا كانت نصرة المملكة للجزائر موقفًا متعدد المسارات: تحركًا في الأمم المتحدة، ومساندةً في الإطار العربي والإسلامي، ودعما ماليًا، وموقفًا سياسيًّا لم يتراجع أمام الضغوط. كما أسهمت الصحافة السعوديَّة والخطاب الإعلامي في كشف ممارسات الاستعمار، وتعريف الرأي العام العربيِّ والإسلاميِّ بعدالة القضيَّة الجزائريَّة.
إنَّ استعادة الجزائر استقلالها لم تكن ثمرة جهد شعبها، وتضحيات شهدائها وحدها، على عِظَم تلك التَّضحيات ومركزيَّتها؛ فقد أحاطت بها أيضًا مساندة عربيَّة صادقة، وكانت المملكة في طليعة الدُّول التي جعلت من نصرة الجزائر التزامًا سياسيًّا وإنسانيًّا وأخويًّا. واليوم، حين نستحضر هذه الصَّفحة المضيئة، فإنَّنا لا نستعيد ذكرى من الماضي فحسب، بل نؤكِّد أنَّ العلاقات السعوديَّة الجزائريَّة تأسَّست على الوفاء والمواقف، وأنَّ الأخوَّة الحقيقيَّة تظهر حين يحتاج الشَّقيقُ إلى مَن يقف معه.
رَحِمً اللهُ شهداءَ الجزائرِ الأبرارَ، وحَفِظَ البلدَينِ والشَّعبَينِ، وأدامَ بينهمَا المحبَّةَ والتَّعاونَ والوفاءَ.