يُعد مصطلح الطائفية من المصطلحات المتداوَلة بكثرة هذه الأيام؛ نظرًا لتنامي حدة النزاعات الدولية، وسقوط بعض الدول والحكومات، وهو ما أدَّى إلى نكوص المجتمعات -التي سقطت حكوماتها- على أعقابها، ومن ثَم ارتدادها على مكوناتها الطائفية بوصفها الملجأ الذي يمكن اللجوء إليه والاحتماء به في ظل هذه النزاعات المستعرة. الطائفية تعني فيما تعني التعصب لطائفة معينة دون سواها وتمثُّل مبادئها وتنفيذ أفكارها، وفوق ذلك لا يكتفي أتباعها بالانتماء لها بل يصبغونه بصبغة (التعصب) الذي يجعلهم يرون الحق معهم، وأنهم وحدهم من يملك الحقيقة.

على عكس السائد يأتي المفكر برهان غليون في موقع (معابر) الإلكتروني ليؤكد أن «الطائفية تنتمي إلى ميدان السياسة لا إلى مجال الدِّين والعقيدة، وأنها تشكل سوقًا موازية، أي سوداء للسياسة، أكثر مما تعكس إرادة تعميم قيم أو مبادئ أو مذاهب دينية لجماعة خاصة».

غليون بهذا الحُكم يُقوِّض السائد في الذهنية العربية التي جعلت الطائفية ملازمة للتديُّن والتيارات الدينية دون سواهما. ولذا فلا تعجب حين تجد السياسي - بوصف السياسة ميدانًا للطائفية على حد وصف غليون- يتحدث ظاهرًا عن أمور السياسة وضرورة التعاون والوحدة والتكاتف، غير أن ما يبطنه يمثل توجهًا طائفيًّا سياسيًّا مختلفًا كلِّيًّا عما يدور في أذهان المخاطَبِين، وتجد كذلك العالِم الشرعي يتكلم عن الإسلام وشموليته وعدالته ومُثُلِه وقِيَمه ورحمته وأنه الحق المبين وهو في الواقع ينظر للإسلام من زاوية طائفية بحتة ولا يُقرُّ بأحقية الطوائف الأخرى في مظلة الإسلام، بل يرى أكثرها على ضلال. وعليه، وكما أن هناك طوائف دينية كالأشعرية والصوفية والماتريدية التي تندرج تحت المذهب السُّنِّي وكالنصيرية والمخطئة والرافضة التي تندرج تحت المذهب الشيعي، وكما أن هناك أيضًا طائفية سياسية، فيمكن القول أن الطائفية وصل مدُّها العاتي إلى الذائقة العربية وتحديدًا لديوان العرب (الشِّعْر) الذي يُعد هَرم الذائقة الجمالية العربية منذ أن بدأ الإنسان العربي - قبل البعثة النبوية بما يزيد على قرن ونصف- يميل إلى الغناء والطرب ويتغنى بالحبيب ومواطن الذكرى ومباهج الحياة. وكما هو معلوم فالأصل في الذائقة الشعرية العربية هو الشعر التناظري (العمودي)، وهذا اللون من الشعر هو الذي لازم الشعر العربي حتى منتصف القرن العشرين، حينها ظهر شعر التفعيلة ثم تلته قصيدة النثر ذات الجذور الغربية. ولذا تسمع للشاعر أو المهتم بالشعر وهو يتحدث عن الشعر وأهميته وأدواره في استنهاض وإصلاح المجتمعات والدول، لكنه مع كل هذا الحماس والإطناب في وصف الشعر وأهميته يتحدث من زاوية الطائفة (الشكل الفني) الذي ينتمي إليه؛ فقد يكون ممن يرى أن الشعر هو شعر التفعيلة وحده، أو العمودي، أو قصيدة النثر. نعم هو يتحدث عن الشعر، ولكن عن أي شكل فنيٍّ يتحدث؟ تمامًا كالذين يتحدثون عن الإسلام أو السياسة وكل بحسب نيته المضمَرة. ولذا فعندما يتحدث الشاعر عن الشعر فإننا -نحن المستمعِين- نقع ضحية مواراته؛ فقد يُضمِر في داخله (طائفية شعرية) لا تؤمن بالأشكال الأخرى بل وتصادرها.