في بداية عام 2013 كانت قيمة الدولار الأمريكي تساوي أكثر قليلاً من 12 ألف ريال إيراني في حين كان الدولار يساوي 3.75 ريال سعودي. وفي بداية شهر آذار / مارس الحالي، لاتزال قيمة الريال السعودي نفسها، في حين أن الدولار يساوي أكثر من 32 ألف ريال إيراني.

عالم الأرقام والإحصائيات مُعبّرٌ لفهم المسائل الاستراتيجية المتعلقة بالعلاقات بين الدول، خاصة حين يمارِس بعضُها، كإيران، منطق التزييف والاستعراض من جهة، أو حين تستنزف، من جهة أخرى، طاقاتها المالية والبشرية في مطامح إمبراطورية / أيديولوجية، مريضة، لتُظهِر أنها (قويةٌ) و(مخيفة).

يمكن فهم المسائل المذكورة أيضاً بالانتباه لطبيعة التغيير المستمر في الظروف السياسية الدولية، سواء على مستوى العلاقات الخارجية بين الدول، أو تغيرات السياسات الداخلية لها، وماينتج عنها من تحولات، جذريةٍ أحياناً، في السياسة الخارجية. وسنعود لهذا العامل بعد استعراض شيء من دلالات عالم الأرقام والإحصائيات.

في عام 2009 كان معدل الفرد من الناتج القومي في إيران أقل من 5500 دولار وارتفع عام 2014 سبعة دولارات! في نفس الفترة، ارتفع الرقم نفسه في السعودية من 15600 إلى 24400 دولار. أما معدل التضخم عام 2015 فبلغ في السعودية 2.18 في حين وصل في إيران إلى 13.71.

الأرقام كثيرة. والدلالات الإستراتيجية واضحةٌ، بالمقارنة. لايعني هذا أن الأمور وردية في المملكة، كما يصرح بوضوح وصراحة كثيرٌ من مسؤوليها فيما يتعلق بالتحديات الاقتصادية التي يمكن أن تواجهها، كما هو الحال مع الغالبية العظمى من دول العالم في هذه الأيام. لكن الحديث، مرةً أخرى، عن وقائع محددة ومعبرة توضح تصاعد المأزق الإيراني بشكلٍ كبير، واحتمال كون مجمل الظرف الاقتصادي، من جهة، والمتغيرات السياسية العالمية، من جهةٍ أخرى، مؤشراً على أن إيران تمضي نحو ربع الساعة الأخير.

لايتعلق هذا الكلام بالشعب الإيراني، الذي ترفض غالبيةٌ كبرى منه، وهي من الشباب، سياسات الطبقة الدكتاتورية المنتفعة عبر خلط الدين بالسياسة. فهذا الشعب نفسه يعاني من بطالةٍ متزايدة عام 2016، حتى بعد الصفقة النووية بكل وعودها. من هنا، لايبدو غريباً أن 46% من الإيرانيين المُستطلع رأيهم في ذلك العام يعتقدون أن الوضع الاقتصادي للبلاد سيتحسن، في مقابل 54% كانوا يعتقدون ذلك عام 2015، حسب استطلاع أجراه مركز الدراسات الدولية والأمنية التابع لجامعة ميريلاند الأمريكية.

بالمقابل، وعلى صعيد المتغيرات الكثيرة والمتسارعة في السياسة الدولية، يعيش قادة إيران حالة قلقٍ متصاعد وحيرة، مع رؤيتهم لوقائع قلبت رأساً على عقب كل أمنياتهم وأحلامهم التي كانت مزدهرة إلى ما قبل شهور.

ففيما يتعلق بأمريكا مثلاً، كان اختيار هربرت مكماستر مستشاراً للأمن القومي خبراً مقلقاً مع ماهو معروفٌ عن رجلٍ صارم، يبدو من أكثر الشخصيات احتراماً في إدارة ترامب، بخصوص شكه في التصرفات الإيرانية، وتحديداً فيما يتعلق باختراقاتها عبر وكلائها في الشرق الأوسط، والتي لم يتم التعامل معها بشكلٍ صحيح في السابق.

وحين يأتي هذا منسجماً، أكثر من ذي قبل، مع موقف الجمهوريين في الكونغرس، والداعين إلى إعادة النظر في مجمل طريقة التعامل مع إيران، يصبح التهديد جدياً أكثر على مستوى صناعة القرار في واشنطن.

من هنا، يمكن فهم الرسائل الأخيرة، المزعجة جداً لطهران، من القادة الميدانيين الأمريكيين خلال الفترة القريبة الماضية حول بقائهم (الحتمي) في العراق، حتى بعد القضاء على داعش، فيما يبدو رسالةً للإيرانيين بأن تقديم هذا البلد العربي لهم على طبقٍ من ذهب بات سياسةً قديمة. هذا فضلاً عن مستتبعات الفوضى العارمة القادمة بين عملاء إيران في العراق، من المالكي إلى الصدر، بمشاريعهم السلطوية الشعبوية الانتهازية المتضاربة.

وبناءً على فهم الحكومة العراقية للتوجه الجديد، يمكن أيضاً فهم الإعلان السعودي العراقي الأخير على علاقات (متميزة) بينهما على مستوى وزراء الخارجية، رغم غضب الإيرانيين من هذا الموقف. هذا فضلاً عن تلميحات الروس إلى إمكانية قبولهم بمناطق آمنة، وفق مايبدو ترتيباً أمريكياً تركياً خليجياً، وفي معزلٍ عن رأي الإيرانيين.

فإذا أضفنا لهذا كله الفشل المتصاعد للحوثيين في اليمن، ميدانياً وإعلامياً ودبلوماسياً، و(البطحة) التي يتحسسها نصر الله وحزبه في لبنان، إنْ للرياح التي يمكن أن يتجه إليها الرئيس عون، أو لمصير قواته (المُحتلَّة) في سوريا، يصبح طبيعياً أن نتذكر، حين يتعلق الأمر بما يمكن أن تواجهه إيران، قول الشاعر العربي: «مابين غمضةِ عينٍ وانتباهتها يغيرُ الله من حالٍ إلى حال».