· في ثمانينات القرن الماضي، وإبّان ثورة الفيديو ، وطوفان مسلسلات التلفزيون ، قررت وزارة الإعلام تشجيع الممثل السعودي (الهاوي) بإشراكه في الأعمال الدرامية العربية ( المحترفة ) ، التي كانت ( تُعلّب) في استوديوهات القاهرة وعجمان، فعمدت إلى زيادة سعر ساعة الدراما التلفزيونية التي يشترك فيها ممثل سعودي ( الأصل والمنشأ ) بمقدار ألفي دولار بالتمام والكمال ، فكانت النتيجة مشاركة سعودية سريعة في ( بطولة) الكثير من المسلسلات والسهرات ، لكنها كانت للأسف ( بطولة وهمية) ، هدفها التحايل على القرار ولطش ( السبيّك ) بلغة أهل ( الكار) فقط ، فأسماء الممثلين السعوديين (الأشاوس ) كانت تكتب بالبنط العريض ، بينما الدور في الواقع لا يتجاوز بضعة مشاهد هامشية ، يستطيع أي شخص أن يقوم بها، حتى وإن لم يكن له علاقة بالتمثيل .

·هذا الخطأ الذي أوقفته وزارة الإعلام بعد سنوات من البطولات الوهمية و(الهدر) غير المجدي، تقع فيه اليوم وزارة العمل من جديد ، لتثبت أننا لا نقرأ تجاربنا ولا نستفيد من أخطائنا، فالشباب الذين نراهم ( يتكئون ) اليوم في معظم المحلات التجارية والفنادق والمطاعم ومحلات الاتصالات ( كضيوف شرف ) هم ( أبطال مزيفون) أيضاً ، يمثلون دور (الكومبارس ) حتى وإن كُتبت أسماؤهم كنجوم في مقدمة (المسلسل ) الهزلي الذي مازالت الوزارة تنتجه منذ سنوات ! .

· أخطر ما في هذه (الثمثيلية) التي نكتبها بأيدينا ، ثم نصدّقها ، أنها تعطي أرقاماً مزيفة ومضللة لواقع البطالة والتوظيف في بلادنا .. فهذه الأعمال ( الوهمية ) التي أطلقت عليها في مقال سابق اسم ( وظائف المسيار) لا تجمّل الواقع ورقياً على طريقة الفيلم التلفزيوني الشهير( أنا لا أكذب ولكني أتجمل ) فحسب ، بل إنها تمثل نوعاً متطوراً من فيروس (التستر التجاري ) ، الذي من أشد السخرية أننا نحاربه بيد وندعمه باليد الأخرى ، فضلاً عن أنها - والحديث لايزال عن تلك الوظائف الشرفية - تسرق أعمار الشباب الذين يكتشفون بعد سنوات من العمل (الوهمي ) أنهم خارج خيارات الشركات الكبيرة والحقيقية ، والمؤسسات الحكومية بعد أن تجاوزوا السن المطلوبة للتوظيف، ودون خبرات حقيقية !

· من المهم جداً ، بل من الواجب على وزارة العمل، وجميع شركائها في مجال صناعة الوظائف أن يدركوا أن الوظائف الشرفية مجرد تحايل خادع، ومخدِّر موضعي مؤقت، قد نشعر معه بالارتياح المؤقت ، لكن المؤكد أن الألم سيعود يوماً ما ، وحينها سيكون أكثر قوة وأشد عصياناً على الحل .

·إن كنت قد وصلت لهذا الجزء من متن المقال فلابد أنك تتساءل الآن : كيف يكون الشاب السعودي بطلاً حقيقياً ؟! وكيف يمكن صناعة وظائف حقيقية تسهم في استيعاب الشباب وتُطوِّر قدراتهم ، بنفس القدر الذي تُنمِّي به الناتج المحلي ؟! .. والإجابة باختصار : إن الحل الأنجع لهذه الإشكالية - التي تجاوزتها قبلنا الكثير من الأمم - يكمن في محورين أساسيين، هما التنمية الصناعية ، والتجارة الدولية .. وهذا حديث قد نتطرق له قريباً .. وحتى ذلك الحين اقرأوا إن شئتم عن التجربة الألمانية أو النرويجية أو حتى التركية .