Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أحمد عبدالرحمن العرفج

كلام عابر في حقيقة سجن الحائر (2)

الحبر الأصفر

A A
كَانَت زِيَارتي لسِجن الحَائِر تَارِيخيَّة بكُلِّ المَقَاييس، لأنَّني مُنذُ أَكثَر مِن رُبع قَرْن، وأَنَا أَسمَع عَن هَذا السِّجن، ولَه فِي مُخيِّلتي صُورةً حَائِرَة، بَين الحَقيقَةِ والإشَاعَة، وحِينَ دَخلتُ إليهِ، تَأكَّدَت الحَقَائق، وطَارت الإشَاعَات..!

لَفتَ نَظري دَاخل السِّجن؛ تِلك الإدَارَات الحكُوميَّة المُتوفِّرَة، حَيثُ تَجد مَكتباً لوزَارة العَدْل، ومَكتباً للأَحوَال المَدنيَّة، ومَكتباً لوزَارة الخَارجيَّة، ومَكتبًا لوزَارة التَّعليم، ووزَارة الشّؤون الاجتماعيَّة، ومَكتباً لجمعيات حقُوق الإنسَان بكُل أَنواعِها، الأَهليَّة والرَّسميَّة... وغَير ذَلك مِن الإدَارَات. كَمَا تَوقَّفتُ كَثيراً عِند فَرع البَنك الأَهلِي والصَّرَّاف القَابِع دَاخِل سَاحَات السِّجن..!

أَكثَر مِن ذَلك، تَوقَّفتُ وتأمَّلتُ مَا يُسمَّى بـ»البَيت العَائِلي»، تلك الفِكرَة التي ابتكرهَا المَسؤولُون عَن السِّجن؛ قَبْل خَمس سَنوَات، وهِي أَشبَه مَا تَكون بفُندقٍ صَغير، بحيث تَأتي عَائِلة النَّزيل، وتَسكُن عِندَه بَين يَومٍ أَو يَومين أَو ثَلَاثة أَيَّام، حَيثُ يَشعُر كَأنَّه وأُسرته فِي مَنزلهِ الخَاص، وكُلّ مَن يَعمَل فِي البَيت العَائِلي، هُم مِن النِّسَاء النَّجيبَات؛ المُتخصِّصات فِي عِلْم النَّفس وعِلْم الاجتمَاع. وقَد قَابلتُ نَزيلاً، عَانَقني عِنَاقاً حَارًّا وقَال: أَنتَظر «رُوتَانَا خَليجيَّة» كُلّ «أَربعَاء» مِن أَجلك. وأُبشِّرك أَنَّني بخَير، وأَشكُر إدَارة السِّجن، وبالذَّات الفَتيَات القَائِمَات عَلَى البَيت العَائِلي، لأنَّهنَّ أَشعرُونِي وكَأنَّني أَعيش مَع أُسرتي، بَعيداً عَن أَجوَاءِ السِّجن. بَعد ذَلك انتقلنَا إلَى مَبنَى السِّجن، فاستَقبَلَتْنَا صَيدليّة السِّجن ومُستشفَاه، وقَائِمَة بالعَمليَّات التي تُجرَى، حَيثُ يَستَفيد بَعض المَسَاجين مِن فَترة مَحكوميّتهم بتَحسين أَسنَانهم، وصيَانة جَسدهم... إلَى غَير ذَلك مِن الأمُور الطِّبيَّة، التي لَا تَتوقَّعها فِي بِيئة السِّجن، فقَد لَفَتَ نَظري وجُود عَمليَّات اللِّيزَر؛ لِمَن يَطلبهَا مِن النُّزلَاء، ولَولا بَقيَّة مِن حَيَاءٍ وخَجَل، لطَلبتُ مِنهم أَنْ يَعمَلوا لِي عَمليَّة لِيزر سَريعة، لإزَالة الشَّعْر غَير المَرغُوب فِيهِ..!

بَعد ذَلك، دَخلتُ جِنَاحًا عَشوائيًّا، واختَرتُ مِنه غُرفةً مِن غَيرِ تَخطيط، فقُلت: أَتمنَّى أَنْ أُسلِّم عَلَى مَن فِي هَذه الغُرفَة، فقَالوا: انتَظِر نَستَأذن أَصحَابها، ومَا هِي إلَّا دَقيقَة، ثُمَّ اعتَذروا لِي قَائلين: إنَّ أَحدَهم يَقرَأ لَكَ، ومُعجب بِكَ، ولَا يُريد أَنْ تُشَاهده فِي هَذه الحَالَة. ثُمَّ دَخَلتُ إلَى الأَجنِحَة، واطَّلعتُ عَلَى المجلَّات التي يَصدرها النُّزلَاء، وأَهدُوني منها ثَلاثة أَعدَاد هي: مجلِّة مُزن، ومجلِّة جُمَانَة، ومجلِّة الرَّوائِع. ثُمَّ حَضَرْتُ مَسرحيَّة مِن كِتَابة وتَنفيذ وتَصوير النُّزلَاء. ثُمَّ دَخلتُ إلَى الاستديو الخَاص بقَنَاة السِّجن، وسَجَّلتُ مَعهم حَديثًا، لَا يَخلو مِن الطُّرفَة والضَّحك، وحِوَار حَول مَوقفي مِن القهوَة، وسَبَب عِشقي للحيوَان..!

ثُمَّ تَجوَّلت فِي الغُرف، فوَجدتُ أَنَّ كُلّ غُرفَة، فِيهَا مَا يُشبِه الفِنَاء الصَّغير، الذي تَصله الشَّمس، فقُلت: هَل تَتمتَّعون طُوَال اليَوم بأشعّةِ الشَّمس، فقَالُوا: نَعَم، فقُلت: رَحِمَ الله الشَّاعر الكَبير «محمود درويش»، فقَد كَتَب قَصيدَة قَال فِيهَا: «عَلَى هَذه الأَرض مَا يَستَحق الحَيَاة».. ثُمَّ ذَكر مِنهَا سَاعة الشَّمس فِي السِّجن..!

حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!

بَقي أَنْ أَترُكُكُم تَحت أَشعَّة الشَّمس، تَنتَظرون المَقَال القَادم حَول هَذه الزِّيَارة، التي تُؤكِّد أَنَّه لَا جَديد ولَا أَسرَار تَحت الشَّمس، حَتَّى وإنْ قَالوا: إنَّ فُلَاناً غَيَّبوه وَرَاء الشَّمس.

Nabd
App Store Play Store Huawei Store