لقد شرّف المولى عزّ وجلّ الإنسان بالعِلم، وبرز (العِلم) بالذّات مُرادِفاً لأول مرة يُذكر فيها آدم عليه السلام في القرآن الكريم في بداية قصة خلق البشر، (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا)، دلالةً على تميّز الإنسان بالعِلم عن سائر المخلوقات.. ومع تنوّع فروع العِلم، فإنّ أسمى أنواع العلم هو العلم بالله عز وجل، والذي يُفضي إلى الإيمان. وفيما تميّز البشرُ بالعِلم، فقد تميّز أصحاب العِلم الحقّ (المؤمنون) بالأخلاق.

يتجلّى السمو البشري في سيّد الخلق عليه أفضل الصلاة والسلام حيث أثنى الله سبحانه وتعالى على أخلاقه صلى الله عليه وسلم: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)، كما يتجلى سمو المجتمع في ثناء الله عز وجل على الأمّة بالخيريّة لنشرها مكارم الأخلاق (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ).. وكما يُقال: إنّ قِيمَتُنا هي مَجموعُ قِيَمِنا.

وقد أكّد أفضلُ عالمٍ ومُعلّمٍ صلى الله عليه وسلم على أن الهدف من بعثته هو الارتقاء بأخلاق البشر، (إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ)، (إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا وَلَا مُتَعَنِّتًا وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا)، وحيث إن ذروة جزاء المؤمن هي في الدار الآخرة، فإن مكانة المؤمن في الجنة تَتَناسب تناسباً طردياً مع حُسن خلقه، ويبيّن الحديث الشريف كيف أن المؤمن يرتقي في الجنة، تَبَعاً لما يتحلّى به من الخصال الحسنة، (ترك الجدال، ملازمة الصدق...) وصولاً للذروة بالاتصاف بحُسن الخُلُق (أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ)، فكما أن تفوّق الطالب خلال العام الدراسي ينتج عنه تحصيله لدرجات أكثر بنهاية العام الدراسي، كذلك فإنّ حُسن تعامل المؤمن وسمو أخلاقه في ممارساته الحياتية ينتج عنه ارتفاع منزلته في الجنة.

بل إنّ علو شأن صاحب الخُلُق الحَسَن، في الدنيا، ثابتٌ حتى لغير المؤمنين، قال صلى الله عليه وسلم: (خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الإِسْلامِ إِذَا فَقِهُوا)، والفقه هو العِلم.

وفيما يُكتسب العِلم بالتلقّي، وتلك هي المهمة الأساسيّة للمؤسسات التعليمية من خلال وسائل التعلّم والتعليم المختلفة، فإنّ الأخلاق يتم صقلها من خلال الخبرات الحياتية التي يمر بها الإنسان، ونتيجة تعامله مع محيطه ومجتمعه، فلن يُعرَف معنى الصبر إلا من خلال المِحَن والأزمات، ولا يَعرِف معنى التواضع مَن لم يُمتحن بمسببات التكبّر... (إِنَّما العلمُ بِالتَّعَلُّمِ وإِنَّما الحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ).

وخلاصة القول: فإنّ العِلم هو ما يُميّز البشر عن غيرهم، والأخلاق هي ما يُميّز المؤمنين عن غيرهم، وإنّ أسمى أنواع العِلم هو العِلمُ بالله عز وجل (الإيمان)، وأرقى مراتب المؤمن في تزكية النفس وحُسن الخلق. وبين العلم والأخلاق تكون الحياة، ففيما بدأ الخلق بـ(عَلَّمَ آدَمَ)، فإن قمّة الجزاء في الآخرة بـ(بَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ)، نسأل الله أن يرزقنا العِلم النّافِع والخُلُق الحَسَن.

وكيل وزارة الحج والعمرة

لشؤون نقل الحجاج والمعتمرين