نشأت في بيئة مكية من أسرة ذات امتداد نجدي لم ترَ بأساً في مصاهرة أسرة من الحجاز، فأسفر عن ذلك زواج «عدنان» من «قحطان».

نشأت في زمان كانت عملته العلم والخلق قبل عصر تضخم الشهادات، وتدرجت في سلك التعليم معلمةً ثم إدارية ثم مديرة تصرف رواتب المعلمات من مبلغ نقدي ضخم استلمته ذات مرة من المصرف في كيس كبير!.

أحاطته بالعناية منذ نعومة أظفاره وقد كان من حسن حظه أن ولد في عهد طفرة الخير في أفضل مشفىً حكومي، صرخت يومها الممرضة الإنجليزية «بوي..بوي!» قبل أن تعرف الناس جهاز تحديد المولود، وكان أول من شاركها فرحتها صديقتها الوفية «الجوهرة بنت خالد» زوجة الأمير الشاعر عبدالله الفيصل رحمهم الله جميعاً.

«لا تضربوه.. فقد سقطت كلية أحدهم حين ضربه إخوته منذ سنوات في الطائف!» هكذا قالت لأختيه ذوات الضفائر واللتين تكبران وليدها بما يقل قليلاً عن العقد، وقد شغفها حب وليدها فخافت عليه مخافة يعقوب على يوسف.

ألحقته بخير الصروح التعليمية في وقت كانت الناس تستهم فيه على التعليم الحكومي، وحين لاح انخفاض في مستوى المدرسة انتقلت به إلى مدرسة خاصة، ويعلم الله كيف تدبرت هي ووالده أمر رسومها حين عصفت الجلطة النفطية بالبلاد مطلع التسعينيات وهما يصارعان أمواج الحراك الطبقي، ولم تشعره ذات يوم بأن أمراً قد تغير، وكانت تقول له حين يطلب شيئاً بثقة من لا يخشى الفقر: «الخير بوجهك»، فكانت هي ووالده مثالاً لطبقة كادحة لم تعرف البنوك وقتها مثلما عرفت الجمعيات الشهرية، لتصعد هذه الطبقة السلم الى طبقة وسطى جديدة هي عماد الأوطان، ازدهرت في تلك الحقبة.

ورغم ذلك ظلت على مسافة واحدة من جميع الطبقات؛ فعرفت الأميرات وسيدات المجتمع تماماً مثلما عرفت البسطاء وذوي الدخل المحدود، وكان من طرائفها أنها كانت تأخذ معها في الأسفار ملابس جديدة بمقاسات مختلفة لتهديها الى عمال نظافة الغرف في الفنادق فنشأ أبناؤها على رؤية تلك البسمة الأصيلة على وجوه بائسة لا يأبه بها أحد.

تقاعدت من الخدمة واستمرت في العطاء وأحاطت أبناءها باستقرار واحترام لخصوصية حياتهم وكانت مضرباً للمثل بإيمانها وقلة تذمرها، تتابع أخبار النشرة المسائية واستقبال المليك للمواطنين على إيقاع سمفونية «موزارت» الأربعين، المليك ثم المليك الذي يليه، تنظر بصمت الى الأحداث من حولها، من النكسة الى عبور أكتوبر، استشهاد فيصل ثم حرب الخليج، سبتمبر وما تلاه. امرأةً شامخة بعمق الوطن تحكي قصة جيل أحب الوطن على علاته في زمان ما قبل الوفرة والضجر.

وعبثاً حاول الابن أن ينقلها من دارها وبعد أن نزح أهل جدة الى الشمال في موسم هجرتهم الدائم الى ذاك الاتجاه، ولسان حالها كما قالت أنيسة هانم لابنها علي في مسلسل «ليالي الحلمية» حين حاول نقلها من حي الحلمية الى منزل فاخر في الزمالك : «أنا هنا ياعلي.. زي الحيطان دي، لو عرفت تنقلها للزمالك يبقى أنا أتنقل».

وإذ يكبر ذلك الصبي الذي ظلت أمه دوماً شابةً في نظره ولم يعلم بسنها الحقيقي إلا في يوم الفقد الأليم.. وبعد أن تعود إهداء قماشها القطني لثيابه كل عيد، وتقويم أم القرى مطلع العام الهجري؛ ترحل أمه «فوزية المزروع» بهدوء من الدنيا لتستقر في وجدان الأهل والأصدقاء والبسطاء،

ويطل من الذاكرة شريط الذكريات؛ منزل البغدادية وبقالة باكثير، الابتدائية السادسة، الكرواسون الساخن في شتاء باريس، صلاة التراويح والاعتكاف للتهجد في المسجد الحرام في العشر الأخيرة، الأظرف الشهرية للمحتاجين، دروس التفسير الأسبوعية و«الخير بوجهك».

أماه.. لقد مادت بي الأرض يوم وفاتك.