في جولته الأخيرة في طريقه إلى أوساكا/ اليابان، زار صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد كوريا الجنوبية، وتم توقيع اتفاقيات اقتصادية وصناعية بين البلدين، هذا التحوّل الذي انتهجته رؤية ولي العهد السعودي من الاعتماد على النفط إلى الصناعة، والاستعانة بالخبرات الكورية في المجال الصناعي، أيقظ أحلام جيلي؛ فنحن جيل الأحلام الكبيرة، كُنَّا نخشى مغادرة الحياة قبل أن نعيش واقع أحلامنا، كانت السنوات تمضي والعمر يمضي ونحن نحلم ونحلم بكل ما أصبح واقعاً معاشاً، كان وعينا وثقافتنا تربة خصبة تستنبت أحلاماً أكبر من واقعنا في ذلك الوقت، ربما أصابنا اليأس مع كرَ الأيام، أو أن أحلامنا غفت ثم تحوَّلت الغفوة إلى غيبوبةٍ طويلة، لكن «كل ليل له آخر»، كما يقولون، أي يمضى ويتنفس الصبح وتشرق الشمس.

فما كان مجرد حلم يُراودنا، أصبح واقعاً نعيشه، وما كان مستحيلاً أصبح بين أيدينا، الآن نحصد ثمار أحلامنا، بجهد ورؤية محمد بن سلمان التي ضمنها أحلامه لوطن كان يُراوح مكانه رغم إمكانياته، أصبحنا نعيش حالة من الانبهار والدهشة بكل ما تحقق على أرض الوطن من نهضةٍ حضارية أبهرت العالم أيضاً.

الحلم، الهاجس الذي كان يلح على عقولنا كلما رأينا أسواقنا تعج بكل المنتجات من كل دول العالم حتى من دول العالم الثالث، حتى تلك الصناعات الرديئة التي تسحب أموال الوطن كمدفوعات للاستيراد ورسوم مختلفة، ويدفع قيمتها المواطن من دخله ومن قوته وقوت عياله، متى ننتج منتجاً نفخر بأنه من صنع أيدينا؟!، لم يكن الحلم يتوقف على قارعة الواقع إلا من خلال سعي ولي العهد لاستقطاب الدول الصناعية الكبرى لتوطين الصناعة.

كل الأحلام التي اختزناها أو وأدناها لم تعد تُراودنا أو تُؤرِّقنا، لأنها أصبحت متحققة على أرض الواقع، فقيادة المرأة للسيارة، الذي كان في بند المستحيل، أصبح أمراً عادياً وطبيعياً تمارسه النساء في شوارع المملكة، في قراها ومدنها!

الحفلات الغنائية والسينما، والأمان الذي تتمتع به المرأة في الشارع والعمل والسوق، هو هذا الحلم الذي كاد أن يتحوَّل إلى كابوس لولا رؤية محمد بن سلمان.

وأنا أتجوَّل بصحبة ابنتي في كورنيش جدة قبل كتابة هذا المقال بساعات، لم أُصدِّق عينيَّ وأنا أرى الكورنيش بذلك الجمال والإبهار والشباب يتجوَّل فيه دون أن يتسبَّب في مضايقة النساء والأطفال، رأيت فتاة صغيرة تتجوَّل على درَّاجة في أمانٍ واطمئنان، كل هذه المشاهد الجميلة كانت ضمن أحلامنا الموءودة قبل سنوات بعد أن أنهكنا الكلام.

استعدتُ كلمات ولي العهد في ختام مؤتمر مجموعة العشرين حول تمكين المرأة والشباب: ويظل تمكين المرأة والشباب محورين أساسيين لتحقيق النمو المستدام»، الطريق إلى التمكين الذي انتهجته الرؤية، يكمن في إعطاء المرأة والشباب الثقة الكاملة، بدلاً من قمعهم ومنعهم من ممارسة حقوقهم الإنسانية في وطنهم، لأنهم بحاجة إلى هذه الثقة لدعم حماسهم وعطائهم ووطنيتهم حتى يتمكنوا من استثمار عقولهم وعلومهم وطاقاتهم في وطنٍ يحترم حقوقهم، ويُقدِّر احتياجاتهم.

حلَّقت أحلامنا وغرَّدت كالعصافير، وأصبحنا ننعم بالهدوء وراحة البال على مستقبل الأجيال، لم يعد المستقبل يُخيفنا لأننا أمة تقتات على ما ينتجه الآخرون، بل أصبحنا نسير في الاتجاه الصحيح، لتأسيس قوة صناعية يقودها أبناؤنا ويجني ثمارها أحفادنا، وتصبح أحلامنا حكايات أو خرافات، ربما لا تصدقها الأجيال القادمة، وهي ترى النهضة في كل مجال وفي كل مكان.