لأنّ الموضوع لا يتجزّأ، فلابُدّ من التذكير بمقالي السابق (مؤسّسة التحلية.. سؤال وجواب)، الذي ذكرْتُ فيه أنّ صناعة تحلية المياه المالحة بمعدّاتها وأجهزتها وقطع غيارها ما زالت لدينا متواضعة التوطين، ولم تعمل المؤسّسة جيّداً مع قطاعنا الخاص لإنشاء مصانع محلية تُوفّر المطلوب، وتُغنينا عن الاستيراد، وتُجنّبنا الوقوع في براثن المصانع الأجنبية التي تبيعنا مصنوعات التحلية بأسعار باهظة، وتقينا التأثّر الخطير بظروف المنطقة السياسية، وما يتأجّج فيها من حروب وكيد أعداء، والهلع يُصيبني عندما أتخيّل احتياجنا لمصنوعات تحلية أجنبية في وقتٍ قد تجري فيه بعض هذه الظروف لا قدّر الله، واضطرارنا للانتظار الطويل كي تُصنّع المصنوعات وتُورّد إلينا، مع ما يُعيقها أو يُتلفها أثناء النقل جرّاء الظروف، فماذا نفعل؟ هل نعطش؟ ولماذا لا ننأى بأنفسنا عن شرّ ذلك بالتوطين الكامل لصناعة التحلية؟ التي هي بالنسبة إلينا أهمّ الصناعات على الإطلاق، وتكاد تكون أهمّ من صناعة إنتاج البترول، لأنّنا بلد شحيح الأمطار، بينما البترول وفير بفضل الله، والإنسان يبقى حيّاً بالماء وليس بالبترول!.

هذا عن صناعة التحلية، لكن ماذا عن نقل معرفتها إلينا من الدول المتطوّرة؟، وأقصد تقنياتها وعلومها وأسرارها التي تتجدّد كلّ يوم في الخارج، هل نقلناها بما يجعلنا في غِنَىً عن هذه الدول؟ وهل صارت بأيدينا بُنية معرفة قوية تمنحنا الاستقلالية في مجالات عديدة أهمّها التصميم والتشغيل والصيانة ومعالجة المشكلات الفنية الطارئة؟.

لقد مرّت المؤسّسة بمرحلة نقل معرفة ذهبية خلال الفترة التي كان فيها الأمير محمّد الفيصل -يرحمه الله- محافظاً للمؤسّسة، وتأسّست لدينا أجيال من المهندسين الأكفّاء الذين كانوا موسوعة ذاخرة بكلّ معارف تحلية مياه البحر، ثمّ بوفاة هذه الأجيال، وتقاعدها، وتسرّب بعضها لجهات أخرى، عُدْنا في الحاضر للاعتماد على الشركات الأجنبية بخبرائها وفنّييها الأجانب بشكل غير مسبوق، وحتّى لو كانت الشركات وطنية فهي مليئة بالأجانب وقلّة هم المواطنون، وصارت العقود الموقّعة مع الشركات لا تُتيح لأجيالنا الجديدة فُرصة التطبيق العملي الكامل ممّا تعلّموه من معرفة في جامعاتهم أو في مركز التدريب التابع للمؤسّسة كما أُتِيحت لأجيالنا السابقة، والذي لا يشتغل بنفسه في معرفة ما فلن يملكها، هذا هو ناموس المعارف!.

والخلاصة هي أنّنا نحتاج لتوطين صناعة التحلية وتوطين معرفتها معاً، فهما كالتوأم السيامي الذي لا يمكن فصله، وضخامة إمكانيات المؤسّسة المالية الحالية لم تُوفّر لنا الاثنين بما يُقِرُّ العين، وإدارة المؤسّسة الحالية لا تحتاج لتقليد أرامكو في سياسة العقود بقدر ما تحتاج لفتح جبهة عمل جادّ لتوطين صناعة التحلية ونقل معرفتها لعقول وأيدي أجيالنا الحاضرة والمستقبلية!.

إنّ إطار صورتنا ونحن داخله كأكبر منتج لمياه التحلية في العالم مخدوش لأنّ صناعة التحلية ونقل معرفتها ما زالتا بأيدي غيرنا بنسبة كبيرة!.

ألا هل بلّغت؟ اللهم فاشهد.