من جمال الطبيعة ما خصَّ الله به الشواطئ بالماء والخضرة والوجوه التي تعشق كلَّ ما هو جميل.. ويتنافس هؤلاء العشَّاق في الترويج لشواطئ بلدانهم، فيطلقون لقب العروس على أجمل مدن ساحليَّة في بلدهم.

عندنا في المملكة العربية السعودية، فمدينة جدَّة عروس البحر الأحمر التي يعتقد بأن أمَّنا حواء مدفونة فيها.. ويقف إلى قبرها العديد من ضيوف الرحمن للسلام وقراءة الفاتحة على روحها.. لقد حبى الله عروسنا بجمال وتألق يزداد عامًا بعد عام.. يقصدها عشَّاق الطبيعة والتراث والتاريخ من أرجاء العالم كافَّة لكونها أوَّلًا البوَّابة الرئيسة إلى بيت الله الحرام في مكة المكرمة الذي رفع قواعده نبيُّ الله إبراهيم؛ عليه السلام وطاف حول كعبته غالبية أنبياء الله ورسله.. ومن وقتها وإلى ما شاء الله، هي قبلة المسلمين في صلواتهم ومهوى أفئدتهم.. بوابات الحرم مشرعة على مدى الأربع والعشرين ساعة من كل يوم وليلة لاستقبال المتعبِّدين، ومن بينهم من قدم إليه عبر موانئ (عروسنا) البحريَّة والبريَّة والجويَّة بأعداد مليونيّة.. وثانيًا عشَّاق التراث للوقوف على الأماكن التي شهدت ولادة الحضارة، وفي مقدّمتها مرتفعات جبال السراة حسب رواية الدكتور أحمد داوود في مؤلَّفه (تاريخ الحضارة) الذي وثَّق الانتشار السكًّاني الأوَّل، بدءًا من مرتفعات عسير، ومنها إلى ارجاء جزيرة العرب، وشمالًا إلى البحر الأسود، وغربًا حول شواطئ البحر الأبيض المتوسط.. ميناؤها البحري هو الأوَّل في استقبال البضائع من مختلف بلدان العالم لتلبِّي احتياجات المواطنين والزائرين في المملكة.. وقد كان الميناء الأول في استقبال ضيوف الرحمن من حجَّاج ومعتمرين وزائرين عند وصولهم، ووداعهم وقت مغادرتهم، إلى أن قاسمته ذلك وسائل النقل البرية والجوية.

العروس بيروت في لبنان، هي الأقدم على شواطئ البحر الأبيض المتوسِّط.. لها من العمر ما يزيد على خمسة آلاف سنة بدلالة ما كشفته الحفريَّات من آثار تعود إلى العصور الفينيقيّة والهيلينيَّة والرومانيَّة والعربيَّة والعثمانيَّة.. حباها الله بموقع وتضاريس أهَّلها لأن تبقى عروس البحر الأبيض المتوسًّط لعقود عديدة، يقصدها عشَّاق الطبيعة والسياحة، وطلب العلم والتجارة، وكلُّ من يرغب التمتُّع بمباهج الحياة على تعدُّد أشكالها وغاياتها.. إضافة إلى كونها بوَّابة المشرق العربي على العالم، ممَّا أكسبها مرونة التعامل مع قاصديها مهما كانت الغاية وطبيعة العمل.. وهي الأولى في الشرق الأوسط من حيث تعدُّد المراكز الثقافيَّة والتعليميَّة وتنوُّعها.. يقصدها الطلبة من دول الجوار، وكذا الدبلوماسيُّون الأجانب ورجال استخبارات الدول الكبرى لإتقان اللُّغة العربيًّة الفصحى ولهجات شعوبها.. والأولى في السوق الحرَّة، مقصد التجار والمتسوِّقين والصناعيِّين من أهالي المشرق الآسيوي والغرب الأوربي والجنوب الأفريقي، معيدة للذاكرة مراكز التبادل التجاري والثقافي على طريق الحرير.

وإلى وقت غير بعيد كانت العروس بيروت مقصد المعارضين لأنظمة الحكم القمعيَّة في بلدانهم من أهل الفكر والقلم متيحة لهم حريَّة الكلام والكتابة في الصحف ووسائل الإعلام عن الأوضاع السياسيَّة والاقتصاديَّة في بلدانهم دون خوف من رقيب أو حسيب يحصي عليهم أنفاسهم.. وكان للمقاهي الشعبيَّة وأشهرها (قهوة الحاج داوود) في شاطئ الزيتونة.. يجري قاصدوها من أطياف المجتمع العربي المتعدِّد حوارات أدبيَّة وسياسيَّة على رشفات الشاي والقهوة، وتدخين التنباك بالنرجيلة من اليوم الأّول لافتتاحها عام 1900 ولغاية يوم اندلاع الحرب الأهليَّة في لبنان عام 1975.. وبسبب انتماءات روَّادها العقائديًّة والمذهبيَّة والسياسيَّة جذبت إلى مقاعدها مستمعين نخبةً من الدبلوماسيين الأجانب ليقيِّموا الأوضاع السياسية والاجتماعية في لبنان والعالم العربي.. ومع اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، فقدت العروس بيروت حاسَّة الكلام والتعبير عن الرأي والفكر، وتحوَّلت من واحة للحريَّة إلى مدينة يعيث فيها فسادًا وعمالة للدول الاستعماريَّة والمذهبيَّة زعماء الطائفيَّة والعنصريَّة والإقطاع، فتدهورت صحَّة العروس بيروت، وشاخت وهرمت قبل الأوان.. وهي اليوم على أولى درجات الإفلاس المالي والإداري ما لم تتداركها رحمة الله، فيكفُّ عنها أذى الفاسدين، وفكر دعاة الولاء والطاعة لغزاة من خارج الحدود.