أنا ممّن عاشوا في أمريكا شهوراً طويلة، وكان زملائي الأمريكيون الذين أعرفهم في مجال العمل يسخرون منّي عندما أُبْدِي تذمّري من حمّاماتهم، بسبب عدم تركيب شطّافات غسيل فيها لتنظيف الجسم بعد قضاء الحاجة، واعتمادهم على المناديل الورقية فقط!.
وكُنْتُ أسأل نفسي حانقاً عليهم: ماذا لو انعدمت المناديل في الحمّامات كما انعدمت شطّافات الغسيل؟، هذا معناه أنّ كلّ من يخرج من الحمّام هو أيقونة من القذارة تمشي مطمئنّةً على الأرض!.
ولهذا دعوني أشارككم سرّاً، إذ كُنْتُ هناك استحمّ بالدُشْ كاملاً أو جزئياً بعد كلّ قضاء حاجة كُبْرى، لا مؤاخذة ولا حياء في الدين، وهذا ما كان زملائي الأمريكيون يسخرون منّي بسببه!.
غير أنّ الأيام دُول بين الناس، فها هي الأخبار الواردة إلينا من أمريكا في زمن كورونا تُفيد بحصول تغيّر جذري في سلوك كثير من الأمريكيين في حمّاماتهم، وانصياعهم للفطرة السليمة في طريقة تنظيف أجسامهم بعد قضاء الحاجة، فركّبوا فيها شطّافات غسيل، إمّا خارج الكراسي مثلنا، أو داخل الكراسي مثل الأتراك، وكلاهما أفضل من المناديل التي أدرك الأمريكيون أخيراً أنّها للتجفيف بعد التشطيف وليس للتنظيف!.
وأبناء المستر سام ظلّوا قروناً بلا شطّافات غسيل في حمّاماتهم، منذ عهد جورج واشنطن وأبراهام لينكولن، رغم أنّهم لا يُعانون من نقص الماء، فمعظم ولاياتهم تجري من تحتها الأنهار، وتهطل عليهم الأمطار بصحبة الأعاصير، ورغم أنّ صناعاتهم الخاصّة بمواد الحمّامات الصحية هي من الأفضل والأرقى على مستوى العالم، ومع ذلك استبدلوا المناديل الورقية التي هي أدنى بالماء الذي هو أعلى، ولا نظافة تُنشَدُ بغير بالماء، ولم يكترثوا بمن ينتقدهم، بل سخروا منه وتندّروا عليه، ثمّ أتى هذا الكائن الكوروني الضئيل ليُجبرهم على سلوك النظافة السوي،، ولو اجتمعت الإنس والجنّ على إقناع الأمريكيين باستخدام شطّافات الغسيل لما نجحوا كما نجح كورونا بجدارة، فسبحان الذي جعل من الماء كلّ شيء حيّ، كل شيء نظيف وطاهر، والماء أفضل من العطور، أما سمعتم الأعرابية في الصحراء وهي تنصح ابنتها ليلة زفافها بأنّ أفضل الطِيبْ هو الماء؟ والماء مُكوِّن من ذرّتيْن هيدروجين وذرّة أكسجين، ,H2o صغيرتيْن، لكنّهما صديقتان كبيرتان للآدميين، وحياة وانتعاش، بشهادة ليست زُوراً من كورونا، رغم أنف الأمريكيين، وتحية وتعظيم سلام للشطّافات، ورحم الله مخترعها أينما كان!.


