رحل عن الفانية إلى رحمة ربه الدكتورعاصم حمدان في هذه العشر الفاضلة من الشهر الكريم، تحفه دعوات محبيه، وما أكثرهم، وذلك فضل الله يؤتيه من شاء، وهو ذو الفضل العظيم.
وشخصية الراحل من النماذج التي تستوقف الناظر إليها من أول وهلة، حتى في غطاء رأسه المختلف، شخصية متعددة الاهتمامات، متنوعة الاتصالات، متسعة العلاقات، مع بساطة وألفة تكره العداوات وتستجلب المودة: فهو مع الأكاديميين، تراه حاضرًا باحثًا جادًا في مجال اختصاصه متابعًا للجديد فيه، يحترم التخصص ويؤمن به ويدعو إليه حتى لا تميع العلوم وتصبح بلا ضوابط، ومع علماء الشريعة تجده طالب علم يعرف مدارسها وأمهات مصادرها وفروق اجتهادات أئمتها، وفي حومة الدعاة لا يغيب، داعيًا بالتي هي أحسن، يظن بالناس خيرًا وينتقد الذين يقدمون سوء الظن على حسنه، يدافع عن صحة الاعتقاد وتنقيته مما يشوبه دون أن يستعدي المخالفين أو ينفرهم من سماع الحق، ومع الصحفيين تجده «صحفيًا» مهتمًا بقضايا مجتمعه، يشغله ما يشغل الناس، يشترك في مناقشة ما يسهم في معالجة قضاياهم، بأسلوب يصلح ولا يفسد، يدعو إلى الخير ولا يثير اللغط، وإذا نظرت تجده في المجالس الاجتماعية مع روادها المعنيين بالثقافة، في عمومها، يشاركهم، بأدب جم، ما يدور فيها، يعرف من أين يستقون معارفهم، يفرق بين دخيلها وأصيلها، لكنه لا يتعالى بعلمه حتى وإن كان الحديث في دائرته.
وإذا كانت «أكاديمية» عاصم حمدان اكتسبها من الجامعات ودوائر البحث في المؤسسات العلمية، طالبًا وأستاذًا، فإن «شعبيته» تبدو أنها خلقت معه وصاحبته منذ نعومة أظفاره، وكأن طبعه وميله للهدوء ومصاحبة كبار السن والإصغاء إلى حكاياتهم، ساهمت في تشكلها وإثرائها وترسيخها حتى غدت «طبعًا ثانيًا»، كانت شعبيته حصيلة ذاكرة لاقطة حافظة لما حولها، تذوقت المعاني وانسجمت مع الأصوات ورصدت الصور وأصغت إلى همس الذين يمشون على الأرض هونًا في أزقة وحواري طيبة الطيبة، المتبتلين الخاشعين المتواضعين الذين انطبعت نفوسهم على الخشية من رفع الأصوات في الروضة الشريفة، بجوار سيد الخلق، هذه الشفافية المغموسة في روحانية الجوار الكريم هي التي تسامت حتى استشعرت النغم الرابط ما بين أصوات مؤذني الحرم النبوي في القرن الرابع عشر، وما توحيه نغمات أذان سيد المؤذنين بلال بن رباح في فجر هذه النور الذي سطع على البشرية حين أنزله الروح الأمين على قلب الرحمة المهداة، صلوات ربي وسلامه عليه.
كانت المدينة المنورة، بحاراتها وطرقاتها وأزقتها وآبارها ونخيلها ومزارعها ووجوه أهلها، على تعدد أعراقهم واختلاف ألوانهم وتباين حضورهم في الحياة العامة، مصدر إلهام لروحه وعقله وقلمه، لم ينشغل بالقوالب الأدبية بقدر ما انشغل بنقل إحساسه نحو المكان والإنسان، في «ذكريات الحصوة» و»حارة الأغوات» وكتب عن شخصيات طيبة ورموزها وأحداثها التاريخية وحضورها في الأدب والتاريخ كما كتب عن علمائها وشعرائها وأدبائها، لكن كل هذا لم يشغله عن الاقتراب من «نماذج مغمورة» تسير في الأزقة تستروح على مقاعد المقاهي الشعبية في أطراف المدينة، لا يكاد يراها الناس، فيرى فيها عاصم حمدان الصلاح والخيرية وكأنه يذكر الغافلين المنشغلين بظاهر الحياة بالتوجيه النبوي «رب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره»، رحم الله عاصم حمدان ابن المدينة المنورة وعاشقها المعتز بالانتماء إليها الداعي إلى الحفاظ على آثارها وكنوزها.


