رغم جمالها وأناقتها.. وحرصها على نظافة بيتها.. والاهتمام بأصغر الأشياء.. وتفانيها في عطائها.. والتزامها.. ووفائها.. ومروءتها.. والصفات المحبوبة في الشخصيات المتفائلة والمتزنة والمتفوقة..

بالرغم من كل هذه الشمائل.. إلا أنها وقفت بشدة وتحدي في أن تتزوج مرة أخرى بعد وفاة زوجها.. الذي تركها وهي تحمل ابنها الذي أطلقت عليه اسم زوجها..

ونذرت نفسها لكي تعيش لابنها وتربيته والاهتمام به.. لم يترك له زوجها المتوفي مالاً كثيراً أو ثروة يمكن لها أن تعيش بها طويلاً.. وأمام إصرارها وتحديها.. تخلى عنها من يرغب فيها..

خرجت إلى بيوت الأثرياء لتخدم عندهم بالساعة.. تغسل وتطبخ وتكوي ومعها الصغير الذي ترعاه..

وفي جو من الحنان نشأ الابن.. يراها ويكون معها.. ويحظى باهتمامها بالرغم من كل ما تعانيه..

وبطبيعتها التي ذكرناها.. كان لها يوم تستقبل فيه من يريد زيارتها.. وتقرأ لهم ألف ليلة وليلة وعنترة بن شداد وأبو زيد الهلالي.. وتقوم بضيافتهم بقدر إمكاناتها..

أحبها الجميع لما تحمله بقلبها الذي يشيع الحب والتواضع.. وسميت في الحارة (أخت الرجال)..

اهتمامها بابنها ورعايته.. ومعايشته لأمه أكسبته كثيراً من صفاتها وتصرفاتها..

أنهى دراسته بتفوق وانخرط في العمل.. مكافحاً.. وكانت توجه مسيرته.. وقرر أن يتزوج.. ولكنها لم توافق وقالت ليس بعد..

امتثل لرغبتها.. وظل يعمل بجد وإخلاص ومبادئ أخلاقية.. والتزامات دينية..

عرفت عنه رجولة في شبابه يفخر بها كل شيوخ الحارة، وقدوة لشبابها..

تدرج في عمله حتى أصبح ملء السمع والبصر.. وقررت أن يتزوج.. فاختارت له من بنات الحارة.. المتوسطي الحال.. بل يكاد عائلها ألا يفي باحتياجات بناته الأربع..

قالت له.. هذه إذا أهديتها فرحت.. وإن لم تهدها لم تسأل..

أمرت ابنها أن يدفع صداقاً مجزياً لها.. وأن يتحمل مصاريف الفرح كله.. وألا يشعر المدعوين بأنه وراء هذا.. وينسب العمل والدعوة والفرح لوالد العروسة وأهلها..

ولقد أصبح ملء السمع والبصر..

في هذه السن المتأخرة.. تقدم لها أحد أبرز أثرياء المدينة على استحياء بعد أن فقد زوجته بعام كامل..

وافقت وتزوجا.. وأصبحت سيدة أحياء المدينة بكرمها وعطائها ووفائها..

سألها ابنها.. كيف أنت الآن.. قالت يا بني إني في رضا من الله دائماً.. ولم يبلغ ظني ما أنا فيه..

قال.. أمي.. ما هو سرك الذي لا أعرفه..

قالت يا بني.. كلمة طيبة.. وعمل صالح عز من الله.. ولا يكتسب العز إلا بالانتساب إلى الله..

«ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً»..