كثيرون يجهلون أبشع جريمة عاشها أهل المدينة المنورة في تاريخها قبل 105 أعوام في عهد الدولة العثمانية؛ عن نفسي سمعت بـ»سفر برلك» أول مرة من الشاعر القدير حسن الصيرفي -رحمه الله- من أهالي المدينة، توفي 2008م؛ عرفته قبل وفاته بعام؛ لاشتغالي على كتابي (ما وراء الوجوه) حول حياة شخصيات سعودية وكان أحدهم، فتشرفتُ بنقل سيرته عنه شخصيًا بحكاياته وذاكرته القوية رغم مقاربته مائة عام من عمره حينها، بعد أن عرفني عليه الأديب محمد الدبيسي ابن المدينة المنورة البار.

أتذكر جيدًا دهشتي حين سألته: عم حسن متى ولدت؟! «فأجابني: ولدتُ في عام فيه أهل المدينة قليلون جدًا لا يصل عددهم 140 شخصًا بعد أن كان عددهم 80 ألفًا نتيجة الحرب والمجاعة وتنكيل الأتراك بهم في سفر برلك»! وهنا بدأت بمعرفة الجريمة!

ففي أغسطس عام 1914م مع إعلان الحرب العالمية الأولى التي دخلها العثمانيون بالتحالف مع ألمانيا، أصدر السلطان العثماني محمد رشاد «فرمان» يأمر بإجبار الذكور ممن يبلغ أعمارهم بين (15 ـ 45 عاما) للتجنيد العسكري، عُرف بـ»سفر برلك» وتعني بالتركية «النفير العام» وعند العرب «التهجير الجماعي» ثم تحول الأمر إلى بطش تركي في المناطق العربية كالعراق والجزيرة العربية وسوريا ولبنان، خاصة أن حزب الاتحاد والترقي المعروف بعنصريته كان مسيطرًا، فتم شحن الذكور صغارًا وكبارًا لجبهات القتال! ومعظمهم يموت في الطريق قبل الوصول لسوء الظروف اللاإنسانية التي تم اقتيادهم فيها للحرب والبقية يموتون في القتال.

وأسوأ «سفر برلك» عاشه أهل المدينة المنورة وما زال الأحفاد يروونه عن الأجداد؛ فبعد صدور أمر بتولي حكمها فخري باشا دخلها مع عشرات آلاف من جنوده الترك، وكان حينها العثمانيون أكثر حقدًا على العرب بعد خسارتهم مكة المكرمة بسيطرة الشريف حسين مع القبائل العربية خلال الثورة العربية نتيجة الظلم العثماني وسياسة تتريك العرب، فتبقت المدينة وخافوا خسارتها وضياع مُسوغ «الخلافة» التي استغلها سلاطين بني عثمان لاستعباد الناس.

فماذا فعل فخر الدين باشا!؟ الذي عرف اسمه كثيرون بعد مقطع شهير متداول سابقًا للرئيس التركي أردوغان يفخر به كجد من أجداده العثمانيين! ولكم أن تتخيلوا هذا الذي يفخر به معروف بكرهه واحتقاره للعرب ولم يراعِ حُرمة المدينة ولا المسجد النبوي الشريف، وقام بأبشع جريمة في تاريخها خلال حُكمه ثلاث سنوت بدأت في 1916م إلى 1919م عاش أهلها الذين استوصى الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم خيرا مأساة «سفر برلك»، فقام بتحويل المدينة إلى ثكنة عسكرية عثمانية؛ ملأها بالجنود الترك آمرًا جميع القرى خارجها بالانتقال داخلها ليسيطر عليهم خشية تعاونهم مع الشريف حسين والقبائل العربية الثائرة ضد العثمانية؛ ومن رفض الانتقال من أهالي العوالي وقباء وغيرها أمر جنده بقتلهم وضربهم بالمدفعيات والرصاص وكان ذلك في رمضان، وبعد أن أحكم فخري باشا حصر أهل المدينة داخلها في عامه الأول بدأ التنكيل بهم بحجة مخالفة الأوامر؛ وترحيل علماء ووجهاء المدينة وشبابها إلى دمشق عند جمال باشا حاكم سوريا المعروف بعنصريته وقتله للعديد من المثقفين العرب.

وفي 1917م أصدر أمرًا بتهجير أهل المدينة المنورة إلى بلاد الشام وتركيا بحيث لا يبقى سوى العسكر الترك تمهيدًا لتتريكها، ومن لا يرحل لا يطالبه بالطعام، فرحل حينها 40 ألفًا من أهلها قهرًا، ثم أصدر أمره بإجبار الناس على التهجير وأمر جنوده بالقبض على كل من يرونه ويضعونه في القطار؛ مما أدى إلى اختطاف الناس من الشوارع والأسواق لا يفرقون بين رجال أو نساء أو أطفال، يسوقونهم قهرًا إلى القطار وشحنهم فيه رغم توسلاتهم بأخذ أسرهم ومتاعهم؛ فتشتت الأسر وضاع الأبناء والنساء عن أسرهم.

ومن القصص الشهيرة أن رجلا ولدت زوجته فخرج يحضر لها طعامًا فقبض عليه الجنود ووضعوه بالقطار رغم توسلاته لأخذ زوجته ورضيعه، وحين تأخر الزوج خرجت الزوجة تحضر ماء فإذا بالجنود يقبضون عليها تصرخ متوسلة أخذ رضيعها، ورحلوها بالقطار، فمات الرضيع وحيدًا بالبيت وتشرد الزوجان، ومثلها آلاف القصص شهدها قطار الحجاز الذي يُرحل فيه الأب دون أبنائه والزوجة دون زوجها والبنات دون آبائهم إلى وجهات مختلفة في الشام وتركيا في تشريد عام؛ وزاد المأساة أن اقفل المجرم فخري باشا الأسواق والدكاكين وأمسك الأطعمة وجمع التمور من المزارع والبيوت ليجعلها لجنوده الترك فقط؛ فانتشرت أبشع مجاعة إنسانية حتى بات أهلها يأكلون القطط والكلاب والحيوانات الميتة وأصبحت المدينة في سنوات حكمه فارغة من أهلها، بل هذا المجرم الذي يفتخر به أردوغان لم يراعِ حُرمة المسجد النبوي الشريف وحوله لمخزن للأسلحة والذخائر واتخذه ورقة يُهدد بها القبائل العربية الثائرة خارج المدينة فيما لم يراعِ القبر النبوي الشريف واتخذ قرارًا بشق سكة القطار لجواره، ناهيكم عن سرقته كنوز وهدايا الحجرة النبوية والآثار النبوية التي ظلت في مكانها بالمسجد النبوي لـ1300 عام، وأرسلها إلى إسطنبول وهي حاليا في متاحف تركيا! التي يزورها العرب في رحلاتهم السياحية يتحدثون بزهو عن حفظ تركيا لها فيما هي مسروقة ولو كلفوا أنفسهم عناء السؤال لعرفوا بشاعة الطريقة لوصولها هناك!

هذه الجريمة البشعة استفاض فيها بحثًا وتنقيبًا الزميل أ. محمد الساعد في كتابه المهم جدًا «سفر برلك.. قرن على الجريمة العثمانية في المدينة المنورة» وتناولها عدد من الباحثين أبرزهم اليوم د. سلطان الإصقة، وحتمًا لن ننسى أبدًا هذه الجريمة النكراء التي أرجو أن تُوثق دراميًا أو فيلم سينمائي سعودي كما فيلم «سفر برلك» اللبناني الذي خلدت فيروز بصوتها ذاكرة المعاناة في أجيال أهل الشام.