أن تتنفس تحت الماء، يعني أنك تغرق تغرق، وأنت تعاني من آلام كورونا لا تعرف هل أنت ما زلت تتنفس أم أنك غادرت الحياة، لا تعرف هل أنت تتألم أم أنك تغرق في آلامك، مخاوفك، هواجسك، وجرادل القلق تغرقك، لأنك أصبحت خطراً على أحبتك ومن حولك.

لا تعرف منذ متى وأنت تؤذي أحبتك، لا تعرف حجم الخسائر التي أحدثتها في أجساد أحبتك إلا وأنت عاجز حتى عن الاطمئنان عليهم أو مد يد العون لهم، لأنك تحت وطأة آلامك، تصارع أنفاسك، والحرارة تشعل جسدك، والصداع كأنه ينخر عظام رأسك.

مجرد التفكير أن ما يحدث لك يحدث في أجساد أحبتك الطرية، يؤلم روحك، يلوي صمودك، يختبر صبرك وإيمانك، لم أشعر يوماً أني غادرت الحياة كما شعرت خلال إصابتي وأفراد أسرتي بفايروس كورونا.

أنا امرأة الأمراض والآلام، عدد العمليات الجراحية وعدد مرات دخولي المستشفيات لا تعد ولا تحصى، لدى حساسية أنف شديدة، ومناعة ضعيفة، عندما أدخل مكاناً مزدحماً أعود بالتهاب الجيوب، عندما أصاب بنزلة برد، أحتاج إلى أسابيع لأبرأ منها، لكن لم أتوقف أبداً عن ممارسة حياتي بكل زخمها مهما كنت مريضة تزداد حيويتي وتمسكي بالحياة وممارسة عاداتي وطقوسي.

مع كورونا غادرت الحياة، مغادرة الحياة لا تعني وجهة واحدة بدون عودة، بل بمعنى مغادرة كل طقوسي وعاداتي وممارساتي اليومية، عدم القدرة على التواصل مع أحبتي الذين هطلت اتصالاتهم ورسائلهم ودعواتهم برداً وسلاماً على أوجاعي ومخاوفي وأحزاني.

مغادرة قنوات التواصل، رغم أني امرأة طارئة عليها، لكني كنت حاضرة بشكل ما، كنت متابعة كثيراً وأحياناً بصمت، لكن لم أغادر بشكل نهائي كما أجبرتني كورونا!.

منذ بدأت الكتابة الاحترافية في جريدة المدينة، لم أتوقف عن الكتابة في أحلك الظروف، إلا مرة أو مرتين فقط لظروف أكبر من قدرتي على المواصلة، لكن مع كورونا وبداية ظهور الأعراض حتى قبل معرفة الإصابة المؤكدة، كتبت آخر مقالة بصعوبة، لم أتمكن حتى من التفكير، كأن الفايروس لا يمضي قانونه على الجسد فقط، بل يعبث بالعقل والخيال، حتى الأحلام والكوابيس توقفت خلال ظهور الأعراض، حتى الآن أتممت شهراً، لا أشعر أن نومي عاد يهزج بين الأحلام والكوابيس.

بعد إصابتي أصبح نومي متقطعاً صامتاً وكأن كل الشاشات أغلقت وأجهزة البث توقفت، بعد أسبوعين تقريباً اكتشفت أن كورونا لم تكتفِ بجسدي ورئتي بل عبثت بأحلامي وكوابيسي فغادرت نومي. اكتشفت أن كوابيسي فقرة مهمة تبهج نومي، رحلتي الليلية مع مخاوفي وهواجسي، مع الأماني المؤجلة والأحلام التي تكسرت على قارعة الحياة.

منذ ظهور هذا الفايروس وأنا شديدة الحذر والمتابعة، انعزلت مع أسرتي الصغيرة، لم نسمح لأحد بأن يأتي إلينا ولم نذهب لأحد، لا مطاعم ولا كافيهات ولا جَمعات، حتى جَمعة العائلة الحميمية كل خميس ألغيت تماماً، لم نعد نحضن بعضنا كل صباح أو كلما نلتقي كما هي عادتنا.

كل هذه التضحيات التي قدمناها اتقاء لشر كورونا لم تشفع لنا، ففي لحظة غفلة أو لأن القدر أمر، توقف العقل وتاه الوعي وذهب التبصر، لأكتشف أني كنت مخالطة لحالة مؤكدة، ليت العقل هنا عاد ليعمل بل كنوع من عدم التصديق أو التيقن أو محاولة الهروب من الحقيقة أحلنا الأعراض إلى الحساسية، تزامنت مع مرحلة الدهانات في منزلي حيث بدأنا من شهرين عملية ترميم شاملة تقريباً مع اتخاذ كافة الإجراءات الاحترازية حتى لا يتسبب وجود العمال في انتشار العدوى، كل شيء يمشي بسلاسة وأمان، لذلك عندما بدأ السعال انتقلنا إلى أحد فنادق جدة، الغريب أن السعال توقف، تأكدنا أنه تحسس من المعجون الذي دهنت به الأسقف، كنت أخذت المسحة، في اليوم الثاني 2 فجراً وصلت النتيجة إصابة مؤكدة بكورونا وبدأت مرحلة مختلفة في حياتي وحياة أسرتي.