Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
شريـف قـنديـل

أم كلثوم في شرفة بيتنا القديم!

A A
أعادني الأديب الأستاذ رجاء النقاش الى شرفة بيتنا وهو يتحدث عن صورة «أم كلثوم» في مخيلته وهو طفل، وكيف كان هو وأطفال القرية يعرفون أم كلثوم، دون أن يكون لهذا الاسم في أذهانهم أي معنى سوى أن كل من يغني في أي زمان أو مكان هو «أم كلثوم»!

وعلى العكس من ذلك، فقد تشبعت بالصورة الكاملة عن كوكب الشرق، حين كانت تأتي في خميس كل شهر، فيحدث في بيتنا شئ مدهش! فقبلها بساعة يصدر تكليفي بالذهاب لشراء ست بطاريات كبيرة كنا نسميها «حجارة» حيث لابد من أن يكون كل شيء جاهزاً قبل موعد «الست»!

يتم كنس المساحة التي تطل عليها شرفة البيت «الفراندة» ورشها بالماء، خاصة اذا كنا في فصل الصيف، ثم يبدأ تقاطر الحواريين من زملاء وتلاميذ أبي بأثوابهم البيضاء النظيفة، وقلوبهم الأنظف، فيما يتم نقل «مساند» الكنب ورصها على جدران المكان. ومع اقتراب الساعة العاشرة مساء «موعد الانتقال الى اذاعة خارجية بصوت جلال معوض» يغلبني النوم، فأستلقي في الصالة التي أغلق بابها تقريبا باستثناء المساحة التي تسمح بدخول صينية الشاي والقهوة وكمية من الفول السوداني، يتسلمها «العريف» الشاعر أحمد هلال!

والحق أنني بين النوم واليقظة وقبيل الاستغراق التام في السبات العميق، كنت أتصور أن السيدة أم كلثوم في طريقها من محطة قطار العاشرة الى بيتنا مباشرة، حيث تعلو عبارات الترحيب من الجالسين على الفراندة!

كبرت قليلاً وأصبحت مفعما بالحياة، وبدأت أقاوم النوم بحيث أستمتع ليس بصوت أم كلثوم، وإنما بآراء الجالسين في الكلمات، خاصة إذا كانت الأغنية قصيدة على غرار «هذه ليلتي» أو «أغدا ألقاك» حيث يتحدث أبي ويستمع الجميع!

في الصباح أمضي مصطحباً فلاحنا الأصيل «قطب»، فيصدح بأغنية أم كلثوم ويعلو صوته مردداً ومكررا بحماس: متصبرنيش ما خلاص.. أنا فضية ومليم»! ولأن المعنى لا يستقيم، أسأله عن المقصود بفضية ومليم، فيردد بصوت عال معبرا عن رفضه لسؤالي: ياريت حبايبنا ينولوا ما نولنا يارب يارب صبرني يارب!

وحين كنت أقترب من عشق أم كلثوم، كانت الروح «الثورية» قد غمرت بيتنا بعد زواج شقيقتي الكبرى بالشاعر الكبير محمد عفيفي مطر! والحاصل أنني عشقت مطر أكثر من عشقي لأم كلثوم، ولأن ذلك كذلك، فقد اقتنعت الى حد كبير في تلك المرحلة المبكرة من العمر، برأيه السلبي في كوكب الشرق، ليس في صوتها ولا في كلمات أغنياتها وألحانها، وإنما لأنها «تلهي العمال والفلاحين والطلبة، عن الأوضاع السلبية، وعن الحقوق الغائبة، والكرامة المهدرة، ونحو ذلك من كلام كبير وخطير» وقد ظللت على هذا الحال، حتى رأيت شغفه الكبير بصوت «فيروز» ومن ثم فقد استأذنته في السماع والاستمتاع بصوت أم كلثوم، حين انتقلت للعيش معه بكفر الشيخ في مرحلة مجلة «سنابل» وضحكنا من القلب!

عدت الى رجاء النقاش، فوجدته يقول: لقد قضيت فترة من حياتي، وأنا أتصور أن هناك مبالغة غير عادية في تقدير صوت أم كلثوم، وأذكر أنني قلت هذا الرأي لبعض الأصدقاء، فقال لي أحدهم يومها، وكان أكبر مني وأخبر مني بالفن والحياة: اصبر! أنت لا تستطيع أن تتذوق صوت أم كلثوم، وانت صغير السن والتجربة! .. صوت أم كلثوم يحتاج الى وجدان عرف الحياة، لا إلى وجدان هش.!

والحق أنني لم أكن ذا وجدان هش منذ صغري، فقد كنت على وصال دائم مع الجمال الذي أراه في وردة صباحية، أو هالة نور مسائية، فلما وصلت الى مرحلة أم كلثوم رحت أجمع ما أمكنني من «شرائط كاسيت» آخذها معي إذا سافرت خارج القاهرة أو لندن أو جدة، وكأنني آخذ معي مصر!.

أتذكر هنا يوم ذهبت للرباط، لإجراء حوار مع السياسي المغربي القدير عبد الهادي بوطالب مستشار ملك المغرب، انطلاقاً من كتابه «وزير غرناطة» لسان الدين ابن الخطيب بين القومية العربية والتضامن الإسلامي، وحين بدأت في تجريب الشريط، انطلق صوت أم كلثوم! فلما هممت بخفض الصوت وبدأ تسجيل الحوار عليه، غضب الرجل مبدياً عتابه الشديد، ومشيرا لسكرتاريته باحضار شرائط فارغة للتسجيل!، فلما انتهينا من الحوار، آثر أن يعرف الأغنية الموجودة على شريط كوكب الشرق مكرراً عتابه، وهو يستمع الى جزء من «نهج البردة»، وقد لمعت دمعتان في عينيه!

كنت أنهي المقال على صوت أم كلثوم بالقرب من حقلنا تقول» شمس الأصيل دهبت، خوص النخيل يا نيل.. تحفة ومتصورة، في صفحتك يا جميل.. الى أن تقول: أنا وحبيبي يا نيل، نلنا أمانينا.. مطرح ما يسري الهوى، ترسي مراسينا..

وحين كنت أنحي كتاب النقاش «لغز أم كلثوم» لمحت الشاعر السوداني الراحل محمد المهدي المجذوب يرد عليها في شجن مماثل: منابع النيل أعشاش وأجنحة، من صوتك العذب حيانا وأحيانا.. يا أم كلثوم هذا النيل خضرته، فيض بصوتك أعطارا وألوانا.

استسلمت للنوم وأنا لا أدري هل كنت أحتفي بأم كلثوم أم بنهر النيل، قبل أن يواتيني الحلم الجميل!.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store