حشرجة مكتومة.. في قريتي الحزينة. مات العمدة وخيم الحزن على المكان.
ورغم أن العمدة لم يمت بكورونا ومات بالقلب.. ولأن قلبه كان واسعاً لم يحتمل فراق الأحبة الذين يتساقطون حوله.. ولأنه كان متواضعاً ومتفانياً في خدمة الناس فقد خرجت تشيعه القرية التي ظل محافظاً عليها من كل فيروس.
مات العمدة الضاحك الأصيل الذي طالما أبهج قريتنا وهو يسرف في السرد والوصف والخيال..
مات العمدة بلال أحد شواهد ومشاهد الجمال.. ها هو الوهج الحميم.. يغرق في سكون.. ينفرط عقد المسبحة.. تتوزع حباته على الأضرحة.. وتدق الساعة المتعبة بصوت أمه الطيبة.. ينغرس عقرب الحزن ويتعمق الجرح في صدر المرح..
لقد أثبت العمدة بلال مرة أخرى ومتجددة أن كل ما سيبقى لك هو تواضعك وما تتركه ليس من جاه ولا مال.
يا الله.. يا حرقة الآهات.. يا قسوة الساعات.. الساعة التي تجيء لك بغتة بلا اشارة أو التفاتة تضج بالبكاء..
تصيح قريتي كلها بلال مات.. الرجل الذي لم يترك فرحاً ولا عزاء.. يلبي النداء.. يا بلال الشجن.. كنت معهم.. مع أبناء قريتك ومجتمعك ناصعاً من بياض القلب الى بياض الكفن.. فسلام يا أخي سلام..
لقد تغيرت فلسفة الموت في القرى وفي المدن بفعل الفيروس اللعين، فإن قلت مات فلان لا ينخطف القلب مثلما كان، ولا يندهش القوم في أي مكان ومع أي سن أو مهنة أو عنوان.
ولان ذلك كذلك ما على الإنسان سوى الاستعداد التام والامتلاء باليقين.. بحقيقة أن كل من عليه فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام.
ولأننا جميعاً مسافرون، فينبغي أن نعد العدة بقدر الإمكان وبحجم ما بقي من أيام.. ولأننا لا نعرف عاماً او أعواماً .. شهراً أو شهرين.. يوماً أو يومين.. ساعة او ساعتين.. دقيقة أو دقيقتين فلنسلم بقضاء الله وقدره ونمضِ في طريق الحب والخير والاستغفار والاحسان عله يكون شفيعنا يوم العرض أمام سيد الأنام.
جاء في تفسير قوله تعالى: (يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله) أي: لا يقدر واحد على نفع أحد ولا خلاصه مما هو فيه إلا أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى، وجاء في الحديث: يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار لا أملك لكم من الله شيئاً.
اللهم ارحم موتانا جميعاً واعتق رقابهم ورقابنا من النار.


