Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
شريـف قـنديـل

ظلم البرتقال.. عندما يختفي الغناء للبساتين ويبرز الاهتمام بالفساتين!

A A
الحق أن شعوراً بالفرح انتابني عندما أبلغني ابن عمي صلاح هلال أن اليوسفندي الصيني «ريح وأصابه البوار» وأن أكثر المزارعين بدأوا في قطع أشجاره، وعادوا لزراعة البلدي! وازداد فرحي وأنا أسمعه يقول إن البرتقال المصري مازال ثابتاً حيث لم يعصف به الصيني أو غيره من أصناف!. سألته عن سعر اليوسفندي المصري مقابل الصيني فقال إن سعر الكيلو من الأول على الأرض يصل الى أربعة جنيهات، وفي بعض الأسواق الى سبعة، فيما يباع الثاني «الأربعة بعشرة»!.

لكن هذا الفرح، لم يكبح دهشتي حد الغيظ، من عدم الاحتفال بالبرتقال على النحو الذي كان يتم قديماً! ويزداد حجم الغيظ إذا علمنا أن مصر رغم انخفاض إنتاجها قليلاً في العامين الماضيين اعتلت قائمة مصدرى محصول البرتقال للعام الثانى على التوالى بكميات بلغت 1.680 مليون طن، متفوقة على إسبانيا، المنتج الأول لمحاصيل الحمضيات حول العالم، فيما تعد روسيا أكبر مستورد للموالح المصرية.

الأكثر أسفاً وعجباً أننا في مصر، نحتفل أحياناً بما لا يستحق الاحتفال، فضلاً عن الإسهال الفني الواضح في المهرجانات التي تأتي بغضب شعبي عارم من فرط الإمعان في التعري على حساب الإنتاج الفني الحقيقي!.

أعرف قيمة المهرجانات السينمائية، خاصة اذا كنت أحد المنتجين المصدرين للفن الراقي، أما أن تكون مهمتك في كل عام هي «الفرفشة والنعنشة» دون إحداث حراك فني وجدل نقدي عن فيلم معين، لا عن فستان معين، فتلك هي الإساءة بعينها!.

عدت لسيرة اليوسفندي والبرتقال، وفيما كان صلاح يتحدث عن مهارة شقيقه الحاج صبحي في زراعة وتنسيق البرتقال البلدي، و السكري، وأبو سرة، كنت أتنسم رائحة كل برتقالة على حدة، عندما كان لكل شيء طعم، وعندما كانت رائحة انسكاب أو «تقشيرة» برتقالة واحدة تملأ المكان، وعندما كانت الفتيات يرددن في كل عرس: يا حلاوتك يا «ستفندى» يا بن عم البرتقان، يا حلاوتك وانت طارح فى الجنينة في الأوان.. عروستنا في بيت أبوها، أربعة بيزوقوها، وعريسنا يقول هاتوها دى وحشانى من زمان!.

وزمان كان محرم فؤاد يؤكد أن الحلوة داير شباكها.. شجرة فاكهة.. ولا فى البساتين والحلوة م الشباك طلة.. يحرسها الله.. ست الحلوين!

هذا زمان، عندما كان يغني محمد رشدي: تحت السجر يا وهيبه.. ياما كلنا برتقان.. كحلة عينك يا وهيبه.. جارحة قلوب الجدعان! تحت السجر واقفة بتتعاجبى دى برتقانة ولاَّ دا قلبى؟! قلبي فرح جوا الفرح لما رأيت رمشك سرح.. كحلة عينك يا وهيبه.. جارحه قلوب الجدعان.

وزمان كان الشعراء يحتفون بكل شيء جميل في مصر، حيث تختلط الكلمة الجميلة بالصوت العذب، والشجر، قاسم مشترك. ورغم البهجة التي كان ينشرها أو ينثرها عبد الحليم حافظ، كان موال النهار لعبد الرحمن الأبنودي يجعلنا في حالة من الشجن الجميل خاصة عندما يصدح العندليب: عدّى النهار والمغربية جاية، تتخفى ورا ظهر الشجر، وعشان نتوه في السكة، شالت من ليالينا القمر..

أبدا، أبدا بلدنا للنهار، بتحب موال النهار.. لما يعدي في الدروب، ويغني قدّام كل دار.. والليل يلّف ورا السواقي، زي ما يلف الزمان.. وعلى النغم تحلم بلدنا بالسنابل والكيزان!

ولأن السنابل والكيزان، مهددة الآن بمزيد من الانكسار، فلماذا إذن لا نبتهج بالبرتقان، ولا نتوسع في زراعته أكثر وأكثر، خاصة وأن شجرته شأن كل الموالح، لا تسرف في استخدام المياه؟!

المثير أيضاً أن ثمة دولاً عربية حولنا مازالت تحتفي بيوم البرتقال، كفلسطين التي أعارتنا «اليافاوي» و»الخليلي» وكليبيا التي احتفت منذ أسبوعين رغم كل ما يجري فيها من قتال بيوم البرتقال.

لقد ظل البرتقال اليافاوي عنواناً للحرية والعدل والسلام في فلسطين، حين كان يشحن لدول العالم في صناديق خشب، قبل أن تحاصره دولة الاحتلال، وتستغله لغرض الدعاية لكيانها المغتصب!.

وهنا يقول الخبير البريطاني جون هوب سمسون، إن العرب هم الذين أدخلوا زراعة البرتقال الى فلسطين. وقد نشأت البيارات المنظمة التي كانت ترويها النواعير في يافا في النصف الأول من القرن الثامن عشر. وأنشأ «أبو نبوت» متسلم يافا بعد جلاء الفرنسيين بيارة أطلق عليها اسم ابنه محمود. وغرس أنطون أيوب قبل 90 سنة بيارة أخرى باقية حتى اليوم. إنه أيضاً مثال طبيعي جمالي لمدى اللحمة الوطنية التي تجمع كل أبناء فلسطين!.

إنه البرتقال الذي خصصت له مصر قبل ثورة يوليو 1952 عيداً أو كرنفالاً فنياً، يغني فيه الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب مع المطربة رئيسة عفيفي من كلمات بيرم التونسي: يا اللى زرعتوا البرتقان.. يللا اجمعوه آن الأوان يللا اجمعوه.. آن الأوان يللا يللا.. احنا زرعنا واحنا سقينا.. وآدى احنا بعد التعب جنينا.. دا بين ايدينا و اللى علينا. نعرف نقدر البرتقان..

والحق كذلك، أنه رغم رفعه لرأسنا في الخارج، لم نعد نقدره ونحتفي به وبإنتاجه الوفير.. يا محلا ريحته بين الجناين.. يا محلا شكله والخد باين.. دا الفص منّه يسوا خزاين..يا رب كتر البرتقان!

على أن بيرم التونسي لم يكتفِ بالدعاء للسيد البرتقان، وإنما وضع تصوراً عاماً لكل ما يتعلق به، زراعة وبيعاً وتصديراً، وتسعيراً، فالشمس طالعة والجو هادي.. والنيل بيجري فى كل وادى.. الله يصونه من كل عادى يزيد ويكتر البرتقان!.

ويمضي قائلاً: ياما سهرتو معانا أمالكو.. وصبرتو بينكو من ظلم حالكو! لما صبرتو السعد أهو جالكو، وكان قدومه ع البرتقان!

أخيراَ، لا ينسى بيرم أن يوصي المزارعين بصوت عبد الوهاب العذب، أن بيعوه بذمة وارضو ضميركو..وارعو كل الحقوق لغيركو.. الله يبارك لكم فى سيركو، ويخلى موسم البرتقان!.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store