Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
شريـف قـنديـل

عمرة لعلي.. ما الذي أغراك غير صحبة النبي؟!

أستشعرك الآن معي، تسرع الخطى كمُهر، بوجه من التقى والطُّهر، ها أنت تكبر وبوجداني كله تصيح، بمواقف ومعانٍ لا تدركها إلا الروح، أقف في ساحة الطواف الفسيح.. يا لجمال الكون في هذا الصباح! أتحسس نفسي وجسدي ثم أبكي! أوحشتني يا علي!.

A A
كنت أظن وأنا أتلقى بفرح غامر، تصريح عمرتي التي وهبتها لابن عمي وتوأمي الروحي «علي» أن الفؤاد سيهدأ، قبل أن أتلقى خبر رحيل ابن خالتي الحبيب «أحمد»! والحق أن كل واحد منهما اختطف الموت معه شيئاً مني، ومن عمري!. حمدت الله، الذي لا يحمد على مكروه سواه، وأنا أتذكر أن كل واحد منهما، ترك لي شيئاً حياً في نفسي!.

انصهرت في أجواء العمرة، وتحريت الدقة والالتزام التام، بدءاً من التهيؤ للإحرام، ونهاية بالسعي، مروراً بالطواف، والشرب من زمزم، وتقبيل الحجر الأسود، وأنا أردد داخلي: آه يا علي، لو كنت معي! ما الذي جعلك تمضي وتلقي بظلال الحزن عليّ؟!، ما الذي أغراك غير صحبة النبي؟! كيف تمضي وترضى بخفوت ونحيب عم في كل البيوت؟، هل كنت تطلب السلام بأحضان السكوت؟! استغفرت وقلت: هو بالتأكيد نداء الحي الذي لايموت!.

في الطريق للعمرة، من جدة الى مكة، كان معي كالقمر، أتطلع من نافذة السيارة الأمامية الى السماء، وأتمتم باسمه في سري، وكيف كان يرسم وجهي في دفتري! لقد ظل (علي) طوال أعوام، يصحو حين أصحو، وينام حين أنام، يكمل لي كل المهام الصغيرة، وأكمل له لكل شيء، بما في ذلك ما رآه من أحلام! فارساً من يومه، يهيئ عوداً ثانياً من الحطب، ويدعوني لأركبه، نطير معا، نفاجئ الخلان.. هكذا نشأنا بلا خوف ولا عقد، فقد تدربنا على الأسطح وفي الأجران!

بلا مناسبة، استقبلت رسالة من مجهول، يقول فيها أتعرف من هو الصاحب بالجنب؟!، كان يذكرني بجميل وعجيب الوصايا القرآنية ووجوب الإحسان إلى الصديق، في قوله تعالى: «وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً».

كان صاحب الرسالة يعرف أو لعله يعرف أنني ذاهب لأداء العمرة لصاحبي علي، معرفاً الصاحب بالجنب بأنه، رفيق العمر، وقد كان، وزميل الدراسة، وقد كان، المصاحب بالسفر، وقد كان، ومن جالسك في مسجد أو مؤتمر أو غيره، وقد كان،وكل من وقف بجانبك في موقف مهم لك في الحياة، وقد كان، فسبحان من له الدوام.

قبل الدخول، أمر وسط حمام الحمى، وأستمتع بجمال الهديل، أنظر في السما، واستغرق في الترتيل، والقراءة لروحك يا أعز الرجال!.

أستشعرك الآن معي، تسرع الخطى كمُهر، بوجه من التقى والطُّهر، ها أنت تكبر وبوجداني كله تصيح، بمواقف ومعانٍ لا تدركها إلا الروح، أقف في ساحة الطواف الفسيح.. يا لجمال الكون في هذا الصباح! أتحسس نفسي وجسدي ثم أبكي! أوحشتني يا علي!.

أراك الآن، ويسطع أمامي سناك، فأنسى الفراق وأنسى الألم.. هنا في الحرم، حيث سنبدأ الطواف الهادئ مع الطائفين، بلا زحام! وحيث الدعاء الصادق للأحياء وللراحلين، وحيث ركعتان في حجر اسماعيل، ومثلهما في مقام ابراهيم!

أي جمال هذا يا علي! أنا الآن أطوف، وأنت معي! لن أنتقي الأدعية والحروف كما سبق أن قلت لي! «اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعفُ عنا»، يا سبحان الله! هل أخطأت وأنا أدعو لك بالشفاء وطول العمر، يتساقط دمعي الهَتوف!

سألثم الحجر، لأول مرة! أنا الذي أديت بحمد الله، دون أن ألثمه، أكثر من خمسين عمرة! وما يدريني لعلك كنت يوماً تريده! اللهم اجعل بركته من نصيبه، واجعل اللهم نورا من خلفه ومن أمامه.. وعن يمينه وعن شماله.. استجب يارب استجب.. جئت مثل أؤلئك الذين جاءوا من كل صوب وحدب، لأصلح ما اعتراني من حزن ومن عطب!

عندما سقيته أو سقاني من زمزم، اشتعلت روحي من جديد فرحاً، ورحت أتمتم، هل ارتويت يا علي؟ هل ارتويت يا ابن ابن العم؟! أخالك الآن تتبسم! لدعائي، أم لدعاء كل ضعيفة وضعيف، جمعت لهم ومكنتهم في الأيام العجاف من شراء رغيف؟! كنت يا علي شبعاً للعابر الجائع، وهجا للشارد الضائع، وأماناً في دفئك الرائع!.

أتذكر جيدا أنك قلت لي، وأنت تتولى توزيع الزكوات والصدقات عنا، أن الهوى قد يغري، وأن الهمس قد يسري، أتذكر كيف كنت تعطي وتمضي، لا تكشف المستور، علك الآن تجلس في حوض المصطفى هناك على ضفاف النور!

ما أجمل آهاتك، حين كنت تركن ظهرك، مردداً: آه! يا فرج الله! تخفف الآن من الآه، فأنا أسعى بك ومعك، مردداً في كل شوط نداء الله! أشرب من زمزم مرتين في كل اتجاه! أشرب من ينابيع التقى والنقاء، وأنا أقول لك: عانيت في مأساتك من نقص الهواء، لكنك أبداً لن تعاني بعد رحيلك، أي جحود، أو نقص في الوفاء.. عمرة مقبولة يارب.. الى اللقاء يا علي.. الى اللقاء!.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store