ما زلت أذكر ذلك الرجل الوقور بهيئته وحسن خلقه وتأدبه مع الكبير والصغير معالي الدكتور محمد عمر زبير، كان وقوراً بكل ما يعنيه الوقار وهو بعدُ في الأربعينيات من عمره، وكنت أتردد على مكتبه في المبنى الأقدم لإدارة جامعة الملك عبد العزيز الذي كان يضم مكتب مدير الجامعة والوكلاء وإدارات أخرى كإدارة البعثات وغيرها، كان ذلك عام 1397هـ كما أذكر. وكنت وقتها أسعى حثيثاً للحصول على بعثة لأمريكا لأكمل دراستي العليا في الماجستير والدكتوراة، إذ كانت هناك منح ابتعاث في ذلك الوقت. وقد ساعدني رحمه الله وقتها بقدر ما يستطيع، كما دعم طلبي مدير إدارة البعثات وقتها الدكتور سراج جميل زمزمي رحمه الله، إلى أن وفقني الله وعُيِّنت معيداً في قسم اللغة العربية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، وكان قسماً حديث الإنشاء، وابتُعثتُ من بعد ذلك بوصفي أول معيد في القسم. وما زلت أذكر وقفة هذا الرجل الصالح معي وأنا شاب صغير حين كان مديراً للجامعة.

وأحسب أنه كان رحمه الله ثالث مدير للجامعة وليس الثاني، وقد سبقه الى ذلك المنصب القيادي معالي الدكتور أحمد محمد علي، ومعالي الدكتور محمد عبده يماني رحمه الله. ولعل ما نشر من أنه كان ثاني مدير للجامعة يعود الى كونه رحمه الله ثاني مدير للجامعة بعد أن تحولت من أهلية إلى حكومية.

وأردت أن أذكر هنا هذا الملمح من سيرته رحمه الله الذي يعود الى ما يقرب من 45 عاماً لأذكِّر بخلق اتصف به كل مديري هذه الجامعة الفتية، من أحمد محمد علي إلى عبد الرحمن عبيد اليوبي، هو مساعدة الكبير والصغير واتباع سياسة الباب المفتوح، وتحقيق طموحات شباب الوطن قدر المستطاع.

كان الدكتور محمد عمر زبير رحمه الله من الرعيل الأول من أساتذة جامعة المؤسس، في أساس جامعة المؤسس: كلية الاقتصاد والإدارة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة كنتكت في عهد مبكر جداً: 1390هـ - 1970م، في الاقتصاد والإدارة، وسيرته العلمية والإدارية زاخرة، فقد عمل خبيراً بالهيئة المركزية للتخطيط، كما عمل عميداً لكلية الاقتصاد والإدارة، ثم أميناً عاماً للجامعة فوكيلاً لها، إلى أن عُيِّن مديراً للجامعة في مطلع التسعينيات الهجرية، وكانت له مشاركات كبيرة خارج الجامعة، منها: رئيس اللجنة العلمية بالمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب التابع للبنك الإسلامي، وعضو مؤسس للجمعية الدولية للاقتصاد الإسلامي في لندن، إلى أن أصبح رئيساً للجمعية، وشارك خبيراً في دورات مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي (المؤتمر الإسلامي سابقاً) وكانت له إسهامات فاعلة في الندوات التي كان يعقدها الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية، وعمل عضو اللجنة الخاصة لتقييم أداء البنك الإسلامي للتنمية. ومن مؤلفاته رحمه الله: «دور الدولة في تحقيق أهداف الاقتصاد الإسلامي»، ونال عدداً من الجوائز منها جائزة الاقتصاد الإسلامي للعام 1415هـ تقديراً لجهوده الرائدة ومساعيه الكبيرة في سبيل تطوير علم الاقتصاد الإسلامي الحديث.

ومن فضل الله على عبده محمد عمر زبير رحمه الله أن كانت ميتته خير ميتة، فقد كانت أثناء أدائه للصلاة، فهنيئاً له هذه الميتة الصالحة.

وبعد، أذكر أنه قبل خمسة عشر عاماً تقريباً حين كنت في أوج مشاركاتي الإعلامية في الصحافة والإذاعة والتلفزيون، اقترح عليّ أخي الفاضل سعادة الأستاذ الدكتور عصام بن يحيى الفلالي أن أسجل مقابلات مع مديري جامعة الملك عبد العزيز الذين كانوا جميعاً أحياء وقتها، قبل أن نفقد بعضهم، وذلك ليروي كل منهم تجاربه الطويلة في خدمة هذه الجامعة العتيدة، ويكون ذلك سجلاً تاريخياً محكياً لما مرّت به هذه الجامعة منذ عهد أحمد محمد علي الى عهد عبد الرحمن بن عبيد اليوبي. ولم أتمكن من تحقيق ذلك.

ويبقى الأمل في صدور مؤلف موسع موثق يرصد سير كل هؤلاء الرجال العظماء بالكلمة والصورة، فلكل منهم بصمته المميزة في قيادة الجامعة.