Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
شريـف قـنديـل

النيل وإسرائيل بيني وبين نقيب الصحفيين (3)

A A
عدت من عدن إلى مقر عملي في لندن، وأنا مملوء بالحماس والحنين لزيارة إثيوبيا والاستمتاع برؤية مياه النيل من منابعه، ورغم أن مهمتي الأساسية كانت رصد ما يجري داخل إثيوبيا من اضطرابات تؤشر لقرب سقوط الشيوعية، فضلا عن المعارك الحامية مع الجبهة الشعبية الإرتيرية، فقد آثرت أن أسأل الرئيس منجستو هيلا مريام عن حكاية إسرائيل والنيل.

كانت كلمات أستاذي كامل زهيري نقيب الصحفيين ترن في أذني: كيف لي السكوت، والنيل من آلاف السنين أول درس في التاريخ لوقف الفيضان الخطير أو القحط العجاف؟! إن مصر هي أقدم أرض في هذا الكون عرفت عرق الإنسان، وهذا هو المغزى العميق لهذا الشرف الوطني الذي ينتقل من جيل الى جيل.

تذكرت مقالا زودني به أستاذي كان قد كتبه في عدد مايو 1968 «تصور!!» في مجلة الهلال يرد فيه على عدد من مجلة «الأزمنة الحديثة» والذي خصصه جان بول سارتر للنزاع العربي الإسرائيلي، وأشرف عليه كلود لانزمان، المعروف باتجاهاته الصهيونية، وصديقته سيمون دي بوفوار عن أطماع إسرائيل.. وجاء في رد النقيب المصري الأصيل: كيف يمكن قيام اشتراكية حقيقية على أرض محتلة؟! لقد اعتمد زهيري في رده على مذكرات ثيودور هرتزل مؤسس الفكرة الصهيونية حول محاولة مد مياه النيل إليها، وكيف جاءت إلى مصر عام 1903 بعثة صهيونية ترأسها هرتزل نفسه على أيام بطرس باشا غالي واللورد كرومر.

تذكرت قصة البعثة الصهيونية الخاصة بمياه النيل، وفور أن جلست أمام منجستو، وبعد سؤال أو سؤالين، سألته عما يقال عن وصول بعثة اسرائيلية الى منابع النيل! فأجاب بمكر شديد، أنه سينسق مع الرئيس حسني مبارك في كل شيء إيمانًا منه بمدى حكمته، لكنه لم يتطرق إلى المهندسين الإسرائيليين، وعند عودتي للقاهرة، بناء على استدعاء من رئيس تحرير «الجمهورية» الأستاذ سمير رجب، حيث طلبني الأستاذ ممدوح البلتاجي الوزير السابق ورئيس هيئة الاستعلامات، توقعت أن يكون الحديث عن النيل، خاصة بعيد نشر مقال الأستاذ سمير قصتي في إثيوبيا، لكن وللأسف كان الطلب هو إعارتي للعمل في سفارة مصر بأديس أبابا، لا لشيء سوى لأن الرئيس مبارك سيكون رئيسًا لدورة منظمة الوحدة الإفريقية.. ورفضت بشدة وعدت!

الآن وبعد هذا المشوار الطويل، أريد أن أسأل لا أن أجيب: هل يئست إسرائيل من موافقة مصر على مد المياه إليها فلجأت لإثيوبيا؟! وبدلا من أن تلعب من الأسفل راحت تعبث في الأعلى؟! وهل مازالت أمريكا تفكر بطريقة مبعوثها القديم جونستون، والمهندس لودر ميلك؟ كل الدلائل وللأسف الشديد تشير إلى ذلك، فلا يخدعنك التلويح بيد عالية بضرورة وقف عدوان إثيوبيا على التيجراي، والتلويح باليد الأخرى لإنهاء الملء الثاني، وليصبح السد واقعًا عمليًا وعالميًا أكثر وأكثر!

تحية لروح نقيب الصحفيين المصريين العظيم كامل زهيري، صاحب صيحة «النيل في خطر» يوم أن وقف لاستلام الجائزة التقديرية عام 2003 من النقيب إبراهيم نافع مذكرًا بصمود الصحفيين ومرددًا عاشت مصر عاشت حرية الصحافة.. إنها مصر التي عرفت عام 1879 أول كتاب عن حرية الصحافة.. لقد كان رائعًا وهو يهدي الدرس الأول الذي تعلمه من إحسان عبدالقدوس، إلى شباب الصحفيين، وهو «أن تبسط المعقد، ولا تعقد البسيط، وإذا أردت النقد عليك ألا تجرح ولا تترك دمًا» وتحية لابنه العزيز الزميل عمرو، الذي بدأ في جمع تراث والده العظيم تمهيدًا لإصداره في كتب إلكترونية، وتحية مماثلة لتلاميذه الكثر وفي مقدمتهم، النقيب السابق يحيي قلاش.. الآن أيضًا عرفت سببًا إضافيًا لحبي ليحييّ! تحية لنقابة الصحفيين عبر تاريخها الطويل.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store