لقد تجلّى في رواية «الوسمية» لعبدالعزيز مشري سمت المكان/ القرية من خلال قدرته -بوصفه مكانًا مفتوحًا- على أن يكون مسرحًا كبيرًا لجماع أحداث النص الروائي، ووعاء للشخوص الروائيّة حينما يملأون المكان بأنفاسهم، ومعاناتهم، وأوجاعهم، وخطواتهم، وصراعاتهم اليومية في سبيل لحظات الانتظار المشحونة بالألم والأمل لما تجود به السماء، والسماء وحدها من أمطار تغذّي ما يحرثونه، وفي ترقُّب ما تجود به الأرض، والأرض وحدها من زروع قد نحتت بألم المسغبة والجوع والفاقة؛ لتكون سبيلاً للحياة ومن الحياة.. فـ»منذ الصباح.. مذ صياح الديك عند أول خيط أبيض من الفجر، كان الناس قد توزعوا في الوديان، يسقون زرعهم».
إنّ هذه الصورة التي يرسمها الراوي تكاد تقدّم خلاصة جوهريّة عن مدى عمق الارتباط الوجودي بالمكان، الأمر الذي أهَّل المكان، والمكان نفسه حتى استحال ضربًا من الاستبطان، أساسه التفاعل الحي ما بين الشخصية من جهة، والمكان من جهة ثانية، وهذا ما يكاد يتجلّى -أيضًا- حينما يعمد الراوي إلى تقديم العديد من الصور المتلاحقة حول المكان، وذلك بربطه بعوالم الشخصيات الروائية، مبرزًا ما فيه من تفاعل ماثل ما بينه وبين الشخصية، وهذا ما يلاحظ في قول الراوي: «خلف ثيرانهم.. الناس يعملون.. يحين وقت القيلولة والغداء.. يربطون ثيرانهم وحميرهم في جذوع الشجر.. ويتغدون تحت فيئها، ويشربون القهوة الممزوجة بحب الهيل والجنزبيل، ويشربون الشاهي».
إنّ تلك الصورة التي يقدّمها الراوي، مع ما يصحبها من أفعال دالة على الاستمرار والثبات، كـ»يعملون/ يربطون/ يتغدون/ يشربون»، تشي بمدى ما يحمله المكان -والمكان وحده- من أدوات محفّزة، ووشائج متأصّلة تغمر تكوين الشخصيات، وتشكّل وعيها النفسي والاجتماعي على حدٍّ سواء.
وهذا ما يُلاحظ -أيضًا- حينما عمد الراوي إلى الربط ما بين «الوسمية» ونتائجها، وبين المكان وأثره في واقع حياة الأهالي، حينها قد يصبح المكان سبيلاً إلى امتحان الشخصيات مع وقع التحوّلات التي تحدثها الوسمية: «الوسمية شغلت الناس.. زرع ويحتاج للسقي، يحتاج للرعاية، ويحتاج للملاحظة، بين وقت ووقت، من الأغنام التي يهملها راعوها، أو تعدي الحمير المتسللة التي تأكل الجهد وتأكل الرزق».
إنّ الأمطار حينما تزفها السماء، ويستقبلها الإنسان، والأرض، والزروع، وترتوي بها الوديان والآبار، ينعكس موئلها على مجرى الأحداث، فينتقل أثرها على الشخصيات، فإذا دلالات هذه الرموز الطبيعية لا ترتبط فقط بالأرض، بقدر ما ترتبط بمعاش الناس وحياتهم، وبالحيوانات، والوديان، والزروع، والآبار.
لقد تعامل عبدالعزيز مشري مع القرية بوصفها مكانًا مفتوحًا بشيء من الخصوصية المتناهية، مبرزًا ما فيها من عادات وتقاليد وأعراف، الأمر الذي شكّل بِنية كُبرى للمكان/ القرية، دون أن تنفصل عن عوالم الشخصيات، أو تنعزل عن أحداث الرواية ووقائعها على طول النسيج السردي.
ومن جوف المكان/ القرية تنبعث بعض الأمكنة المفتوحة، كالأراضي الزراعية، والساحات، والطرقات، والأسواق، والآبار، ولذلك كثيرًا ما تتوشّح صور تلك الأمكنة في خطيّة السرد ببعض الشخصيات في خطاب الرواية؛ كشخصية «حميدة»، وأحمد بن صالح»، و»سعيد الأعمى»، حتى باتت الشخصية نفسها كاشفة عنها بقدر ما تكشف عنه؛ فهكذا «كان أبو جمعان يقعد بين الزرع، وعلى حافة فلج الماء، الذي شق له بالفأس طريقًا بين التربة، فخلق طينًا رطبًا، يشبه إلى حد بعيد لون البن المحروق.. وكانت أصابع قدميه قد انغمستا في الطين، فاختلط لون القدم بلون الطين.. أصبحا متشابهين».
إنّ هذه الصورة مع ما تحمله من مقاربة ومجانسة حدّ التماهي والانصهار ما بين الشخصية والمكان، لتضع المتلقي أمام صورة حيّة من لبوس الطبيعة، حالما يرتبط الإنسان بالمكان، فيصبحان بنية واحدة انغمسا معًا، واختلطا معًا، فباتا كيانًا واحدًا، «بذروا الشعير والقمح والعدس في أديم الأرض، غطوا عليها بالتراب الندي». وللحديث تتمة..


