Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
علي خضران القرني

خطرات فكر

A A
* أجمل أوقات الفراغ عندي وأحلاها هي التي أقضيها في جنبات مكتبتي، باحثاً أو مطّلعاً.. وقد تاقت نفسي ذات يوم لكتاب أدبي قديم، كثيراً ما عُدتُ إليه في بعض بحوثي، لكنني لم أجده رغم البحث والتقصِّي، ولعله قد انزوى بين أرتال الكتب التي لم يشملها التنظيم المكتبي، أم أنه أُعير ولم يعد كغيرهِ من الكُتب المُعَارة.. فغيّرت وجهة البحث عن كتابٍ آخر لا يقل قيمة أدبية عنه، لعلي أجد بين صفحاته ضالتي المنشودة، وهو كتاب (جواهر الأدب)، وبعد حصولي عليه، وقبل الغوص في أعماق موضوعاته العديدة المتنوعة، ذكّرني اسمه الجميل بمقولة سبق أن سمعتها من أحد المعلمين، الذي كان يُدرِّسنا اللغة العربية وآدابها، (بأن مَن لم يقرأ كتاب جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب، لمؤلفه المرحوم السيد أحمد الهاشمي... فليس أديباً)، لأن هذا الكتاب يُعدُّ في نظره من الكتب الهامة في بابه، وقد وصفه بعض العلماء والعظماء تقديراً لمؤلفه، وتقريظاً لمحتواه، (بأنه دائرة معارف أدبية كبرى، وأنفس كتاب أُلِّف في اللغة العربية وتاريخ آدابها، صدر عن تجربة وحكمة).

* ومرت الأيام، ومقولة هذا المعلم راسخة في ذهني، ورغم قلة ذات اليد حينذاك، وعشقي للقراءة ومتابعتي لجديدها، إلا أنني وفقت في اقتنائه وقراءته أكثر من مرة.. وأن يكون من أولويات محتويات مكتبتي.. وصدقت مقولة معلمي عن قيمة هذا الكتاب وجودة محتواه في علوم اللغة العربية وآدابها، وحسن اختيار الموضوعات التي تضمنها.

* وقد دفعني إلى استلهام هذه الخاطرة والحديث عن الكتب القديمة وما تكتنزه من تراثٍ خالدٍ أصيل.. ما قرأته أخيراً لشاعرة وكاتبة عربية.. تتساءل في أحد مقالاتها عن قائل هذا البيت:

لا تَقُل أَصْلِي وفَصْلِي أبداً

إنما أصلُ الفتى ما قد حصلْ!

* فأقول بعد كرم الله وتوفيقه: إن قائل هذا البيت هو عمر بن الوردي، المتوفى سنة 749هـ، مخاطباً ولده بقصيدة نُصحيَّة طويلة، بلغت أبياتُها 42 بيتاً.. وَرَدتْ في الجزء الثاني من كتاب جواهر الأدب -مدار حديثنا هذا- طبعة سنة 1381هـ 1962م، ص (435-436-437)، من أبياتها لضيق المساحة، الأبيات التالية، ومنها البيت الذي تساءلت عنه الكاتبة:

اعتزِل ذِكْر الأغاني والغَزل

وقلِ الفصل وجانِبْ من هزل

واتق الله فتقوى الله ما

جاورت قلبَ امرئ إلا وصلْ

(لا تقل أصلي وفصلي أبداً

إنما أًصلُ الفتى ما قد حصلْ)

قيمة الإنسان ما يحسنه

أكثر الإنسان منه أم أقل

ليس يخلو المرءُ من ضِدِّه ولو

حاول العزلة في رأس الجبل!!

* والقصيدة في مدلولها تفيض بالعبرة والحكمة، أهداها الشاعر لولده قبل (682) عاماً، وما زالت صالحة في معناها ومبناها لكل زمانٍ ومكان، راغباً من ولده أَن يَتخِذ منها مطية في حياته، يَعْبُر بها معترك الحياة بهمةٍ وشجاعة وصبر.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store