في الثمانينات الهجرية، كان السفر من الطائف إلى مكة المكرمة -حرسها الله- عبر طريق السيل قبل افتتاح طريق الهدا، وكان غير مسفلت، وكانت معظم سيارات الأجرة العاملة في هذا الطريق من نوع سيارات البكسات (الابلكاش) وكثيراً ما كنت أسافر عبر هذا الطريق رغم وعورته، إما في زيارات خاصة أو لتسليم مشاركاتي الكتابية لبعض صحف مكة كالندوة أو مجلة قريش في عهد صحافة الأفراد، رحم الله أصحابها وأسكنهم فسيح جناته، تارة بسيارتي الخاصة، وأخرى عن طريق الاستئجار.
وذات مرة كنت مسافراً عبر هذا الطريق بعد العصر بسيارتي، والعادة ألاّ أخلو في أسفاري وخاصة الطويلة منها من رفيق، إلاّ هذه المرة كنت وحيداً وفي منطقة الشرائع استوقفني شخص كان يقف على قارعة الطريق، وطلب إيصاله إلى قهوة العدل، ومن المروءة وفعل الخير وهو ما جبل عليه المواطن السعودي، في تعامله مع أخوانه المواطنين في حله وترحاله فقد أركبته معي، ومن قبيل المؤانسة في الطريق، بدأت أسأله من أي قبيلة هو وأين يعمل لكنه التزم الصمت، وكان كثير الحركة والالتفات والتمتمة بكلامات لا أفهمها، وكدت أتوقف بحجة وجود عطل في السيارة في سبيل التخلص منه لكنني كنت على مقربة من مقاهي العدل، إضافة إلى تأكدي أنه لا يحمل أي أدوات عدائية قد تضر بالغير، سوى سلة فيها أمتعة وملابس، لكن حركاته كانت تُنبئ أنه غير متزن.
وبعد الوصول إلى القهوة قلت له: هيا أنزل هذه قهوة العدل التي طلبت إيصالك إليها، فرفض النزول، ونزلت وفتحت الباب وكررت عليه النزول لكنه رفض فناديت القهوجي وشرحت له قصة هذا الراكب واستطاع إقناعه بالنزول لأنه ربما كان على دراية بحالته وأمسك بيده وسار به إلى داخل القهوة وأَشَّر لي إشارة فهِمتُ منها أن صاحبنا غير متزن الشعور وأن عليّ مواصلة السير، وواصلت سيري وحمدت الله أن حماني وشكرت للقهوجي حله للمشكلة ودعوت الله لصاحبنا في الشفاء وأن يباعد بيننا وبين ما أصابه.. إنه على كل شيء قدير.
* خاتمة:
وقد خلصت من هذا الموقف بما يلي:
- يُستحسن أن يكون سفر الإنسان سواء كان بمفرده أو بعائلة في ضحى النهار بدلاً من الليل تجنباً لمخاطر الطريق.
- عدم الوقوف لأي كائن من كان أثناء الطرق وخاصة الطويلة منها وترك الأمر في ذلك لدوريات الطرق الأمنية فلديها من الوسائل ما يؤمن تلك الطرق أمنياً.
- يُستحسن الرفقة في السفر إن تيسرت «فالرفيق قبل الطريق».
* نبض:
من حكم سيدنا علي -كرّم الله وجهه- المأثورة:
ليس الجمالُ بأثوابٍ تزيننا
إنّ الجمالَ جمال العقل والأدب


