ظهرت عدة حركات إصلاحية لحركة التعليم، تهدف إلى التجاوب مع التعددية الثقافية في المجتمعات، ولعل من أبرزها التعليم متعدد الثقافات (Multicultural Education) والذي ظهر في فترة الستينايت من القرن العشرين كرد فعل لقضايا العدالة الاجتماعية، والمساواة في النظام التعليمي، والتأكيد على حق الجماعات العرقية، والثقافية المختلفة في الحفاظ على عاداتهم وثقافاتهم داخل مناخ يسوده احترام العادات والقيم الخاصة بالجماعات المختلفة، وبذلك يشير التعليم متعدد الثقافات على أهمية تغيير هيكل المؤسسات التعليمية، وتوفير فرص متساوية؛ لتحقيق العدالة والتميز الأكاديمي في المدرسة لجميع الطلاب باختلاف أعراقهم وثقافاتهم وأديانهم ولغاتهم ومستواهم الاجتماعي.
من هذا المنطلق، تعد المؤسسة التعليمية ركيزة أساسية في تحقيق التعليم متعدد الثقافات، واتباع التوجهات المستقبلية حيث تقوم بعملية التعليم وتهذيب سلوك المتعلمين وجعلهم مقبولين اجتماعيًا، نظرًا لما يتعلمه المتعلم من علوم ومعارف ذات أهمية تتوافق مع المجتمع الذي يعيش به.. وبالتالي فإن المؤسسة التعليمية تضم العديد من الأدوار المختلفة التي تؤثر على التعليم متعدد الثقافات، منها دور البيئة التعليمية التي يُعاد تشكيلها بما يتوافق مع المجموعات المختلفة ثقافيًا وجنسيًا ولغويًا واجتماعيًا؛ ليحصلوا جميع المتعلمين على فرص متساوية للتعلم ولممارسة التمكين الثقافي.. إضافة لذلك، يجب أن تساعد البيئة التعليمية جميع المتعلمين في تنمية القيم الديمقراطية، والمعتقدات، والمعرفة، والمهارات والاتجاهات التي يحتاجونها للعمل عبر الثقافات المختلفة حيث تكون الأدوات التعليمية المستخدمة في الروضة التي تظهر الأحداث، والمواقف، والمفاهيم من منظور المجموعات الثقافية والعرقية والعنصرية، وتكون إجراءات التقييم والاختبار المستخدمة في البيئة التعليمية حساسة ثقافياً.
أيضًا يوجد دور للمنهج التعليمي في دعم التعليم متعددة الثقافات، حيث إن المنهج الذي يتسم بالحساسية اتجاه هذه المسألة يمثل خطوة يمكن اتباعها لتحقيق التعليم العادل لكل متعلم. ويمكن تغيير المناهج التعليمية وتطويرها من خلال إعداد مناهج أكثر شمولًا للثقافات ووجهات النظر المتنوعة، فضلًا عن تعزيز كفاءة التفاعل بين الثقافات، بما يؤهل المتعليمن للحياة في مجتمع متعدد، ومتنوع، ويساعدهم في استيعاب طرائق متعددة للمعرفة، والتفكير، ويزودهم بالمهارات اللازمة للتواصل والتفاعل الناجح والعيش مع أفراد يعتنقون عديدًا من القيم والعادات المختلفة. أيضًا لابد أن يسعى المنهج إلى استكشاف أهمية قيمة التنوع والتعدد في المجتمع، وتضمين بعض القضايا المطروحة بالمناهج عن تعدد الثقافات، وتقديم مجموعة من الأنشطة تساعد المتعلمين على فهم المجتمع، كالزيارات الميدانية مع المجتمعات الأخرى المختلفة.
وفيما يتعلق بدور المعلم في التعليم متعدد الثقافات، فإنه الركيزة الرئيسية للعملية التعليمية في المجتمعات المتعددة ثقافيًا، لذلك لابد أن يكون المعلم كفؤاً وعلى درجة عالية من الوعي والثقافة بكل ما يحيط به من متغيرات داخلية وخارجية، وعلى بصيرة بأبعاد التعليم المتعدد الثقافات، وبتجلياته ومطالبه، وعلى إدراك تام بحركة التغير ومنطقه وطبيعته، وحجم التحديات المنوطة بها، وأن تكون مسلحة بمجموعة من الآليات التي تمكنها من التعامل والتفاعل الايجابي مع التنوع الثقافي في سياق تأديتها لوظائفها التعليمية. ويجب أن يتسم المعلم بعدد من السمات، منها القدرة على حل المشكلات بطرق متعددة تتلاءم مع الثقافات المختلفة، القدرة على تكوين علاقة بين المتعلم والمعلم حيث تكون علاقة تفاعلية وأن يعرف المعلم الثقافة والعرق التي ينتمي إليها كل طالب في الصف، ويجب أن تكون حساسة لاهتماماتهم الثقافية ومعتقداتهم.. إضافة لذلك، يجسد المعلم فكراً منفتحاً على الثقافات المختلفة وإظهار الاحترام للتنوع الثقافي، وتقديم الثقافات المختلفة عن طريق الكتب المصورة، والقصص، والأفلام الوثائقية، والرحلات المدرسية، والمواد التي تعرض داخل الفصل.
ولن يقف دور المؤسسة التعليمية على البيئة التعليمية والمنهج الدراسي والمعلم، وإنما لكل أطراف المنظومة التعليمية دور بارز في دعم التعليم متعدد الثقافات.. وبالتالي، فإن المؤسسة التعليمية ركيزة أساسية ومصدر داعم في غرس قيم التقبل واحترام الآخر، والقدرة على التعايش مع الآخرين.