منذ سنواتٍ، تقلَّص اهتمامي بالمسلسلاتِ التلفزيونيَّةِ العربيَّةِ، وبالتَّالي لم أعدْ أعرفُ الممثِّلين الجدد الذين احتلُوا مساحاتِ البطولةِ في قنواتنَا السعوديَّة بما فيها مجموعة MBC، وقناة شاهد، لكنْ في شهرِ رمضانَ يختلفُ رتمُ الحياةِ وتتغيَّر كثيرٌ من أساليبهَا اليوميَّة، فنجد لدينا الوقتَ للمشاهدةِ والاستمتاعِ في جوٍّ عائليٍّ بعد صلاةِ المغربِ، والانتهاءِ من الإفطارِ حتى صلاةِ العشاءِ. هذه الفترةُ مهمَّةٌ وحسَّاسةٌ بالنسبةِ للأسرةِ التي تجتمعُ وتسترخي، لذلكَ أصبحَ هذا الوقتُ هو الأهمُّ بالنسبةِ للمنتجين والموزِّعين والممثِّلين؛ الذين دأبُوا على حجزِ مساحةٍ لمسلسلاتهم على الخارطةِ التلفزيونيَّةِ الرمضانيَّة، وأصبح هناك تنافسٌ على احتلالِ هذه المساحةِ الصغيرةِ الممتدةِ من بعدِ صلاةِ المغربِ حتَّى أذانِ العشاءِ لعرض مسلسلاتهم لضمانِ نسبةِ المشاهدةِ المرتفعةِ.
كلُّ سنة نتأمَّل أنَّ المسلسلاتِ السعوديَّةَ التي تعرضُ على قناة MBC تكون أفضل من العامِ الماضِي، لكنْ -للأسفِ- لم يتحسَّن أداءُ الممثِّلين ولا القصَّة أو الإخراج، بلْ مجرَّد مشاهد مملَّة وحواراتٍ سخيفةٍ، وديكوراتٍ وملابسَ غير متقنةٍ، وكأنَّهم افتكرُوا آخر لحظةٍ أنَّ عليهم إعدادَ مسلسلاتٍ، فقدَّموا هذا المستوى المترهِّل والضعيفَ والذي يعرضُ في قناةٍ دوليَّةٍ. هذا المستوى الضعيفُ كيف ينافسُ المسلسلات التركيَّة والمصريَّة، السوريَّة واللبنانيَّة في اجتذابِ المشاهدةِ خلال شهرِ رمضانَ أو في غير هذا الشهرِ الفضيلِ، مع أنِّي لا أتابعُ المسلسلاتِ طوالَ العامِ حتَّى في ليالي رمضانَ إلَّا في هذا التوقيتِ، لأنَّ وجودنا بعد الصلاةِ أمرٌ اعتدنا عليه، ومشاهدة الأعمالِ التلفزيونيَّةِ منذُ ليالي الحلميَّة، وبوابة الحلواني، وغيرها من الأعمالِ الضخمةِ التي كُنَّا نتابعهَا بشغفٍ، وننتظرُ الأجزاءَ من رمضانَ لرمضانَ.
مسلسلُ «جاك العلم»، ومسلسلُ «الخطَّة ب»، على قناة MBC، هما فقط، شاهدتُ منهما حلقاتٍ من بدايةِ رمضانَ، لكن -للأسف- لم نجد فيهمَا لا قصَّة ولا حبكة ولا أي من مقوِّماتِ الأعمالِ الدراميَّةِ التي تتنافسُ على العرضِ في هذه الفترةِ المهمَّةِ، فتحوَّلنا إلى قنواتٍ أُخْرى.
يقولُ جوتة: «الفنُّ هو الفنُّ وليسَ الحياة» والدِّراما: كسرٌ لمسيرةِ هذه الحياةِ، لذلك تشكِّل الدراما التلفزيونيَّة شغفًا متصاعدًا لدى الجمهورِ، وللدرامَا تأثيرٌ فكريٌّ ونفسيٌّ وسلوكيٌّ على الجمهورِ المستهدفِ، أي أنَّ الدراما صناعةٌ فنيَّةٌ مدروسةٌ ومتقنةٌ، وليست تهريجًا.
وفي ظلِّ هذه المناخاتِ المفتوحةِ، يمكن استثمارُ الدراما لتقديمِ صورةٍ جميلةٍ عن المجتمعِ السعوديِّ الحقيقيِّ، في وحدتهِ وتنوعهِ المناطقيِّ، في عاداتهِ، لهجاتهِ، أزيائهِ، أكلاتهِ، مناسباتهِ، حتى اختلافِ عاداتِ طلبِ العروسِ، والاتفاقِ على المهرِ وتفاصيل الزفافِ، وكل ما يتعلق بأمورِ بناء أسرةٍ جديدةٍ.
كل تلك الاختلافات مجال خصب لعمل مسلسلات تفوق المسلسلات التركية في عدد حلقاتها، دون مط وحشو وتطويل ممل وثقيل! لذلك تحتاج الدراما إلى كُتَّاب روائيين، لأنَّ الروائي لديه خيال خصب وقدرة على السرد، واختلاق أحداث وحبكة درامية، كما أنَّه متمكن لغويًّا، فاللغة أحد أهم أسباب نجاح الدراما، لأنَّها ترتقي بلغةِ المشاهد.
لا تكفِي الموهبةُ لصناعةِ ممثِّل محترفٍ يحمل مسؤوليَّة بطولةِ مسلسلٍ يشاهده الدَّاني والقاصي، ويعرض ثقافةَ مجتمعنا، كمَا أنَّ الكوميديا ليستْ تهريجًا مفتعلًا، ولا التنكر في الزيِّ أو اللغةِ أو الحركاتِ إذا لم يكن موظَّفًا توظيفًا دراميًّا، وإذا لم يكنْ الممثلُ يمتلكُ الكاريزما والمهارةَ، السيناريو أيضًا والإخراجَ.
السيناريو، الجهازُ العصبيُّ والعمودُ الفقريُّ الذي لابدَّ أنْ يكون قويًّا بشكلٍ يحمل كل العناصرِ الأُخرى ويُحلِّق بهَا، والممثِّل المحترفُ الذي يقبلُ الدورَ لأنَّه مناسبٌ لإمكانياتهِ، لا لأنَّه يريدُ أن يمثِّل فقط دونَ أن يمتلكَ مهاراتِ التمثيلِ، التي تعني الاتقانَ، بحيث إنَّه يظهرُ على الشاشةِ لا يُمثِّل، هذه هي القاعدةُ الذهبيَّةُ للتمثيلِ، أنَّك لا تُمثِّل، بل تندمجُ في الدورِ وتقنع المشاهدَ بانفعالاتكَ ومشاعركَ وحركاتكَ وإيماءاتكَ أنَّ زيدًا هو ذاته، أو عمرو بلحمهِ وشحمهِ!.


