في جلسةِ هيئةِ الأممِ المتحدةِ التِي أقرَّتْ -خلالهَا، قبلَ أيَّامِ، وبإجماعِ (143) دولةً- إلى أحقيَّةِ انضمامِ دولةِ فلسطينَ عضوًا فيهَا، لأحقيِّتِهَا لذلكَ (أرضًا وتاريخًا وقانونًا وقضيَّةً). واعتراضِ بعضِ الأعضاءِ وفِي طليعتِهِم أمريكَا، ومَن إلى جانبِهَا، والكلُّ يعلمُ -قديمًا وحديثًا- موقفَ أمريكَا تجاهَ إسرائيلَ، ووقوفهَا إلى جانبهَا في السَّراءِ والضَّراءِ.
قدْ يظنُّ مَن يستمعُ إلى تصريحاتِهَا هذهِ الأيَّام، التِي تعارضُ فيهَا إسرائيلَ في تماديهَا فِي حربِ غزَّة، وتصعيدِ حربِهَا إلى (رفح)، بحججٍ واهيةٍ لا يقرُّهَا عقلٌ أو منطقٌ، فالهدفُ مِن كلِّ ذلكَ ليسَ «حماس»، بلْ هُو التَّهجيرُ القسريُّ للشَّعبِ الفلسطينيِّ، واحتلالُ أرضِهِ بقوَّةِ السِّلاحِ، وقتلِ النِّساءِ والأطفالِ وكبارِ السِّنِّ، وإغلاقِ المستشفياتِ والمدارسِ، وهدمِ البيوتِ علَى أهلِهَا، وتخريبِ البنيةِ التحتيَّةِ بدعمِ وعلمِ أمريكَا ومساندتِهَا لذلكَ تصريحًا لا تلميحًا.
إنَّ مقاومةَ الشَّعبِ الفلسطينيِّ الباسلِ ودفاعاتهِ المتواصلةَ لنْ تُمكِّنَ نتنياهو وأعوانَهُ من تحقيقِ أهدافِهم الشِّريرةِ وحربِهم الشَّرسةِ، وسيكونُ الفشلُ الذَّريعُ والخسائرُ الفادحةُ حليفَهُم -بإذنِ اللهِ- واللهُ يمهلُ وَلَا يُهملُ، وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن أَنْصَارٍ.
لَو كانتْ أمريكَا جادَّةً ومنصفةً فِي إيقافِ الهجمةِ الشَّرسةِ التِي شنَّهَا (نتنياهو وجيشُه) على غزَّة وأهلِهَا ومدنِ الضفَّةِ، لمَا وصلت الأمورُ إلى مَا وصلتْ إليهِ حاليًّا، ولكنَّهَا تحاولُ أمامَ حلفائِهَا فِي الشرقِ الأوسطِ الظهورَ بالمظهرِ الحَسَنِ، الدَّاعيةِ للسِّلمِ والسَّلامِ، ولهَا مِن مدلولِ المثلِ: (يقتلُ القتيلَ وَيمشِي فِي جنازتِهِ) النصيبُ الأوفرُ؛ بحجَّةِ أنَّ إسرائيلَ هِي مَن تُصرُّ علَى تصعيدِ الحربِ وعدمِ إيقافِهَا، وموقفُ أمريكَا هذَا لَا يؤمنُ بهِ عاقلٌ، خاصَّةً والكلُّ يعلمُ أنَّهَا الأُمُّ الرَّؤومُ لإسرائيلَ، وهِي مَن تُديرُ شؤونَهَا، والحاميةُ لحماهَا في السِّلمِ والحربِ -قديمًا وحديثًا- ولولَا اللهُ، ثمَّ هِي لمَا بقيتْ إسرائيلُ فِي فلسطينَ.
مَا زلتُ أذكرُ، ويذكرُ غيرِي أوَّلَ زيارةٍ قامَ بهَا وزيرُ خارجيَّةِ أمريكَا (بلينكن) لتل أبيب، فِي بدايةِ حربِ 7 أكتوبر، والتِي أبدَى فيهَا -عندَ لقائهِ بنتنياهو- افتخارَهُ كيهوديٍّ يزورُ إسرائيلَ؛ بحجَّةِ السَّعي لحلِّ مشكلةِ الحربِ، ويُدركُ مَن تابعَ زياراتِهِ أنَّهَا مجرَّد أخذٍ دونَ عطاءٍ، بمعنَى أنَّ زياراتِهِ لَا تحملُ حلولًا ذات جدوَى، وإنَّمَا هِي إرضاءٌ للحلفاءِ فقطْ.
لقدْ أحسنتْ -ولأوَّل مرَّة- هيئةُ الأممِ المتحدةِ أنْ تكونَ عادلةً ومنصفةً، عندما أقرَّت انضمامَ فلسطينَ إلى عضويَّتِهَا، رغمَ المعارضاتِ السَّاخنةِ التِي دارتْ في أروقةِ الهيئةِ مِن إسرائيلَ وأتباعِهَا، وفِي طليعتِهَا مشهدُ مندوبِ إسرائيلَ، والذِي مثَّلَ المهزلةَ والوقاحةَ بأجلِّ صورِهَا أثناءَ نتيجةِ التَّصويتِ، وعلَى مرأَى ومسمعٍ من العالمِ والحضورِ، بإحراقِ (ميثاقِ) الأممِ المتحدةِ، تحدِّيًا وعدمَ مبالاةٍ بقراراتِهَا، عندَ إعلانِ ضمِّ دولةِ فلسطينَ إلى عضويَّتِهَا العامَّةِ، لأحقيِّتهَا تصويتًا وقانونًا.
* خاتمة:
- أيها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها: إن ما جرى ويجري في فلسطين من مآسٍ دامية، يتألم لها كل ضمير حي على وجه البسيطة، والتي شملت حصد الأرواح والممتلكات، والأخضر واليابس، ولا يزال العدو دائباً في هجماته الشرسة؛ بدافع الانتقام والإبادة، فمدوا أياديكم لإخوانكم في فلسطين بالمال والعتاد والمساعدات الإنسانية، فإنهم في كرب عظيم، وإبادة جماعية، بعضهم دُفنُوا في مقابرَ جماعيَّةٍ، والبعضُ الآخرُ يعيشُونَ فِي العراءِ لَا أكلَ، ولَا ماءَ، ولَا ظلالَ، والبعضُ الأخيرُ جرحَى بينَ الحياةِ والموتِ ينتظرُونَ العلاجَ.
- وأنتُم أيُّهَا الشَّعبُ الفلسطينيُّ الشَّقيقُ المناضلُ: الكلُّ يعرفُ أنَّ فلسطينَ دولةٌ واحدةٌ منذُ الأزلِ، لا تحكمُهَا طوائف ولا أحزابٌ، فمنظَّمةُ التَّحريرِ الفلسطينيَّة هِي مَن يُمثِّلُ دولةَ فلسطينَ فوحِّدُوا صفوفَكُم، وكونُوا تحتَ مظلَّةٍ واحدةٍ، (وَاعْتَصِمُوا بِحَبلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا)، يَهابُكُم العدوُّ، ويحسبُ لكُم ألفَ حسابٍ، وتأسُّوا بقولِ القائلِ:
تَأبَى الرِّمَاحُ إِذَا اجْتَمَعْنَّ تَكسُّرًا
وَإِذَا افْتَرَقْنَ تَكَسَّرتْ آحَادًا


