.. عندمَا دشَّنَ الأميرُ خالد الفيصل قبلَ أكثر مِن خمسة عشر عامًا حملةَ (الحجُّ عبادةٌ وسلوكٌ حضاريٌّ)، اعتقدَ البعضُ أنَّ المقصودَ -بالدَّرجةِ الأُولَى- هُم الحجَّاجُ، علَى اعتبارِ أنَّهُم المعنيُّونَ أصلًا بهذِهِ العبادةِ.
فالحجُّ كجانبٍ عقديٍّ لابُدَّ أنْ يكونَ مقرونًا بالجانبِ السلوكيِّ لتمامِ النُّسكِ، (مَنْ حَجَّ وَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ مِن حَجِّهِ كَيَومِ وَلدتهُ أُمُّهُ). وإذَا مَا استلهمَ الحاجُّ هذهِ المقاصدَ، وبمَا يتَّسقُ معَ جلالِ المكانِ والزَّمانِ والشَّعيرةِ، فربَّمَا انعكسَ أثرُهُ علَى سلوكيَّاتِهِ تجاهَ ذاتِهِ وتجاهَ مَن حَولَهُ...!
*****
.. وفِي المقابلِ فإنَّ مَن يقومُ علَى رعايةِ الحجيجِ، وتقديمِ الخدماتِ لهُم معنيٌّ بمقاصدِ (السلوكِ الحضاريِّ)، الذِي هُو فِي حقيقتهِ وأصلِهِ سلوكٌ إسلاميٌّ.
الدَّولةُ -حفظهَا اللهُ- أَقَامَتِ المشروعاتِ الضَّخمةَ، وأَنَفقتِ الملياراتِ، وحَشَدتِ الحُشودَ أمنيًّا ومدنيًّا، مِن أجلِ أنْ يُؤدِّي ضيوفُ الرَّحمنِ نُسكَهُم بيُسرٍ وسهولةٍ واطمئنانٍ. وفِي كلِّ عامٍ نحقِّقُ -وللهِ الحمدُ- نجاحاتٍ مذهلةً فِي أعمالِ الحجِّ. ويكفِي هذهِ البِلَاد فخرًا أنَّهَا تَرَى فِي ذلكَ خصوصيَّةً ورسالةً.
*****
.. ولكنْ -فِي نظرِي- كُنَّا نحتاجُ إلَى المزيدِ مِن التَّركيزِ علَى مَا يمكنُ أنْ نطلقَ عليهِ (الصُّورةَ الإنسانيَّةَ الإسلاميَّةَ)، مَا بينَ الحاجِّ ومَن يقدِّمُ لهُ الخدمةَ.
اليومَ.. وعلَى كلِّ المستوياتِ الرَّسميَّةِ والمجتمعيَّةِ، نُقدِّمُ أجملَ وأبهَى تلكَ الصَّورِ الإنسانيَّةِ. رجلُ أمنٍ يحملُ طفلًا؛ كَي يَرمِي أهلُهُ الجَمَراتِ، وآخرُ يسكبُ الماءَ علَى وجوهِ مَن ألهبتهُم ضرباتُ الشَّمسِ، وثالثٌ يدفعُ عربيَّةَ مُسنَّةٍ، وشبابٌ يتسابقُونَ فِي مبادراتِهِم التَّطوعيَّةِ الرَّائعةِ لخدمةِ الحجَّاجِ والمعتمرِينَ، وفِي المنافذِ ترحيبٌ، وابتساماتٌ، وحَلَوى، وورودٌ.
مشاهدُ عابقةٌ بالودِّ والحميميَّةِ، والأُخوَّةِ والسَّلامِ، تفيضُ بهَا جنباتُ الحَرمَينِ الشَّريفَينِ، ورحابُ المشاعرِ المقدَّسةِ.
*****
.. مشاهدُ قدْ لَا تَرَاهَا إلَّا فِي أرضِ الحرمَينِ الشَّريفَينِ، ولَا غرابَةَ أنْ أبهرتْ تلكَ المشاهدُ العالمَ، فهُنَا مملكةُ الإنسانيَّةِ.
إنَّ وسائلَ التَّواصلِ الاجتماعيِّ قدْ منحتنَا فرصةَ أنْ ينقلَ الحاجُّ والمعتمرُ مَا شاهدَهُ بإعجابٍ وواقعيَّةٍ ومصداقيَّةٍ.
هذهِ مشاهدُ صادقةٌ، صادفَهَا أهلُهَا، ووثَّقُوهَا، ونقلُوهَا كحقيقةٍ أمامَ أنظارِ العالَمِ، ولَمْ نطلبْ مِن أحدٍ أنْ يُوثِّقَ مقطعًا، أوْ يلتقطَ صورةً إنسانيَّةً، ولكنَّهَا الحقيقةُ التِي لَا تتجاوزُهَا عيونُ الكاميرَا، ولَا الضَّميرُ الإنسانيُّ.
*****
.. وهذا الزخم الإعلامي من وسائل التواصل الاجتماعي، يجعلنا نذكر بأن الحج والعمرة تعدان أهم وأكبر ملتقى عالمي، يمكن استثماره في تكوين الصورة، وصناعة المفاهيم، وبناء المعرفة، وتصدير الحقائق. ولابد من إستراتيجية إعلامية لذلك. كل ما نريده أن يرانا العالم كما نحن، وليس كما تصورنا العيون الوقحة.
لقدْ عانينَا طويلًا مِن تلويثِ المفاهيمِ، ومغالطةِ الحقائقِ، وتشويهِ الصُّورِ، ولازلنَا نعانِي مِن حملاتِ التَّشويهِ رغمَ كلِّ صورِ الجَمَالِ والجَلَالِ التِي تقدِّمُهَا المملكةُ فِي كلِّ موسمٍ..!


