Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
علي خضران القرني

من حكايات المـاضي

A A
حدثتني الوالدة -رحمها الله- حال حياتها حديثاً لم يبرح ذاكرتي خلال مراحل حياتي وحتى الآن، وخلاصته: أن والدي -رحمه الله- تزوج بأكثر من زوجة، وكانت أمي الزوجة الأخيرة له، وكان يهدف من تعدد الزوجات «الكثرة في الذرية»، ومع ذلك لم يعش له منهم سوى أنا وأخي الأكبر محمد -رحمه الله-.

وكعادة القرى لا تخلو من مساجد تُقام فيها صلاة الجمعة وبقية الصلوات، وتعوَّد الغرباء وعابروا السبيل خلال أسفارهم من أداء بعض صلواتهم في هذه المساجد أثناء سفرهم للجهات التي يريدون الوصول إليها، إما للإقامة، أو طلب العلم أو العمل، أو أداء فريضة الحج والعمرة، ومن عادة أهالي قرى هذه المساجد؛ إذا كان الغرباء أكثر من شخص يتوازعهم ضيافة سكان القرية، وإذا كان شخصاً واحداً يكون في ضيافة إمام المسجد، أو أحد أفراد القرية، وهي عادة مألوفة في الزمن الماضي ولا تزال جارية -بحمد الله- في المجتمع السعودي، بادية وحاضرة حتى الآن.

وفي إحدى الصلوات كان نصيب الوالد من هؤلاء الغرباء في تلك الحقبة رجلاً وزوجته كانا في طريقهما إلى مكة لأداء فريضة الحج، وأقاما لديه ثلاثة أيام، وخلالها دار الحديث بينه وبين الوالد في شتى شؤون الحياة، وسأل الوالد كم لديه من الذرية فقال له تزوجت أكثر من واحدة بهدف «الكثرة في الذرية»، ولم يعش منهم سوى ولد واحد، وعمره الآن ما يقرب من سبع سنوات، أسأل الله أن يُبقيه قرّة عين لي ولوالدته.

فقال للوالد: سأدلّك إلى عمل إن فعلته فلعل الله سبحانه وتعالى أن يحفظ لك الموجود، ويرزقك بغيره إن شاء الله، وهو:

أن تسأل الله في ساعة استجابة الدعوة من يوم الجمعة؛ بأن يحفظ لك ابنك الموجود، ويزيدك من الذرية، وتنذر بأن تعلمه (القرآن الكريم)، هو ومن سيأتي بعده إن شاء الله، مهما واجهك في ذلك من صعوبات حياتية، وتكون إن شاء الله ممن شملهم الحديث الصحيح: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)، فشكره الوالد على وصيته، ووعده بعملها إن شاء الله.

وودَّع الوالد ضيفه وحرمه لمواصلة رحلتهما إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، داعياً لهما بحجٍ مبرور وسعي مشكور، وقد اتضح للوالد في حديثه مع ضيفه أنه من علماء بلاده، وممَّن فقَّههم الله في علوم الدين.

ونفَّذ الوالد وصية ضيفه، وسجل أخي محمد من ضمن طلاب إحدى كتاتيب القرى المجاورة لقريتنا، وبتوفيق من الله وتكرير الدعاء، استطاع أخي محمد -رحمه الله- تعلّم القرآن حفظاً وتجويداً، وفرح الوالد وشكر الله وحمده على تحقيق حلمه، وخاصةً عندما صار ابنه يؤم الجماعة في مسجد القرية في صلاتي التراويح والقيام لتأهله لذلك.

وبفضل من الله رُزِقَ بمولود آخر، وزاد شكره وحمده لله على ما أنعم به عليه، وتعلم القرآن هو الآخر بعد وفاة الوالد أسوةً بأخيه.

* خاتمة:

وتمر الأيام وكم في مرورها عِبَر ودروس، وكان الوالد -رحمه الله- يُعاني خلال مراحل حياته من «شقيقة» في رأسه، ظلت ملازمة له في حله وترحاله، والتي تصل به أحياناً إلى حد الإغماء، ورغم استطباباته الشعبية آنذاك، ومنها الاكتواء، ولكن دون جدوى، ولما أحس بدنو أجله أوصى الوالدة بوصايا عديدة من أهمها: (تعليم المولود الأخير: القرآن الكريم) أسوةً بأخيه، وتم ذلك فيما بعد، وما هي إلاّ فترة وجيزة ويعاجله الأجل المحتوم، رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته، وهكذا ديدن الحياة تجمع وتُفرِّق (ولا يدوم على حالٍ لها شأن).

* نبض:

(خيركم من تعلَّم القرآن وعلّمه).

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store