.. المعتمدُ البريطانيُّ فِي جدَّة إبَّانَ بدايةِ حُكمِ الملكِ عبدالعزيز، أوردَ قصَّةً مثيرةً وجميلةً في الوقتِ نفسِهِ يقولُ:
«كانتْ هناكَ قافلةٌ مِن الجِمالِ تسيرُ، وعلَى كلٍّ منهَا كيسانٌ مِن البُّنِ وكيسٌ مملوءُ ريالاتِ فضَّةٍ، فتاهَ منهَا جملٌ، وظلَّ تائهًا عدَّة أيَّامٍ، ولمَّا وجدُوه وجدُوا الأكياسَ لمْ ينقصْ منهَا ريالٌ واحدٌ، ولمْ يُمس البُّن بسوءٍ».
وعلَّقَ المعتمدُ البريطانيُّ علَى هذهِ القصَّةِ، وعلَى الحالةِ الأمنيَّةِ بعمومِهَا فِي ذلكَ الوقتِ بقولِهِ: «إنَّ الأمنَ فِي الحجازِ وسائرِ الجزيرةِ لَا مثيلَ لهُ فِي أيِّ بلدٍ مِن بلدانِ العالمِ».
وبمثلِ هذَا قالَ كثيرٌ مِن الباحثِينَ والمثقَّفِينَ العربِ والغربيِّينَ الذِينَ أدُّوا مناسكَ الحجِّ، ومنهُم أميرُ البيانِ شكيبُ أرسلان الذِي أكَّدَ: «أنَّ هذَا الأمنَ جعلَ مِن صحارَى الحجازِ وفيافِي نجدٍ آمنَ مِن شوارعِ الحواضرِ الأوروبيَّةِ»..
*****
.. ورصد باحثون -باندهاش شديد- كيف أن أصحاب الصرافة بجوار المسجد الحرام في مكة، كانوا يلفون على الطاولات التي عليها نقودهم بقماش عند الأذان، وبعد الصلاة يعودون إليها، فلا يمد أحد يده عليها، أو يأخذ منها شيئاً، وكذلك كان يفعل أصحاب دكاكين (سوق المدعى) بمحلاتهم، يدنون على واجهاتها الأقمشة الثقيلة، أو ما يعرف بـ(الأشرعة)، ثم يذهبون إلى الصلاة في الحرم، ولا يقترب منها أحد...!
*****
.. وإبراهيم المازني الذِي حجَّ عامَ 1353هـ، سقطتْ عصاهُ في أبرقِ الرغَّامةِ وهُو فِي طريقهِ إلى الحجِّ، فلحقُوه بهَا فِي بحرَة، وشكيبُ أرسلان عندَمَا انصرفَ من الحجِّ عامَ 1348 سقطتْ عباءتُهُ الحساويَّةُ دونَ أنْ ينتبهَ لهَا، وهُو فِي طريقهِ إلى الطَّائفِ، ثُمَّ جاءَ بهَا «الأخويا» إلى بيتِ الأميرِ، وراحُوا يرفعُونَها أمامَ الضيوفِ ويسألُونَ: لِمَن هذِهِ؟.
وحوتْ كتبُ الرِّحلاتِ والتَّاريخِ الكثيرَ مِن المواقفِ والاستشهاداتِ.
*****
.. إنَّ مثلَ هذهِ الصورَ الفارهةَ والشواهدَ الجليلةَ علَى الآثرةِ الأمنيَّةِ الوارفةِ الظِّلالِ يجبُ أنْ نقفَ عندهَا كلَّ موسمِ حجٍّ؛ لنستذكرَ ذلكَ الجهدَ الخارقَ الذِي بذلَهُ الملكُ عبدالعزيز فِي التَّأسيسِ للأمنِ، وتأمينِ طُرقِ قوافلِ الحجيجِ.
ولنتذكرَ أيضًا أنَّ هذَا المتغيِّرَ الأمنيَّ العظيمَ كانَ قبلهُ بوقتٍ قصيرٍ جدًّا الحجُّ رحلةُ خوفٍ يتنازعُهَا قطَّاعُ الطُّرقِ والوحوشُ والمهالكُ حتَّى قِيلَ «الذَّاهبُ مفقودٌ والعائدُ مولودٌ».
وذكرَ إبراهيم رفعت أنَّ أعرابيًّا مِن قُطَّاعِ الطُّرقِ قتلَ حاجًّا، وعندمَا فتَّشَ ثيابَهُ لمْ يجدْ معَهُ إلَّا ريالًا، فتمتَمَ (أزينُ مَا تروح الرِّصاصةُ ببلاشٍ)...!
*****
.. أخيرًا.. دولتُنَا تبذلُ الغَالِي والنَّفيسَ مِن أجلِ الأمنِ، وإذَا كانَ الأمنُ ضرورةً، فإنَّ استتبابَ الأمنِ ينبعُ مِن تطبيقِ الشريعةِ الإسلاميَّةِ، وهذَا مَا فعلهُ الملكُ عبدالعزيز -رحمَهُ اللهُ-.


