Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
علي خضران القرني

مواقف في مسيرة حياتي!

A A
فِي حياةِ الإنسانِ -أيِّ إنسانٍ- مواقفُ حياتيَّةٌ عديدةٌ، تظلُّ عالقةً بفكرِهِ لَا يمكنُ نسيانهَا.. ومِن المواقفِ المحرجةِ والمؤلمةِ فِي الوقتِ نفسهِ التِي مررتُ بهَا فِي مقتبلِ العُمرِ، ولَا زالتْ تختزنهَا ذاكرتِي حتَّى الآنَ الموقفُ التَّالي:

كنتُ طالبًا فِي المرحلةِ الابتدائيَّةِ بمكَّة المكرَّمة فِي أواخرِ الستينيَّاتِ الهجريَّةِ، إضافةً إلى انتسابِي لإحدَى حلقاتِ تحفيظِ القرآنِ الكريمِ بالحرمِ المكيِّ الشَّريفِ فِي الفترةِ المسائيَّةِ، وأُقيمُ إلى جانبِ أخِي محمد -رحمه اللهُ- أحدِ أفرادِ القواتِ المسلَّحةِ بمكَّة، وفِي نهايةِ كلِّ عامٍ دراسيٍّ أقضِي عطلتَهُ لدَى الوالدةِ فِي القريةِ، وفِي نهايةِ أحدِ الأعوامِ الدراسيَّةِ -وكالعادةِ- جهَّزَ لِي أخِي محمد حاجاتِ السَّفرِ مِن أمتعةٍ وكسوةٍ، ومَا فِي حكمهِمَا، ونزلتُ إلَى جدَّة حيثُ محطَّة السَّفرِ إلى الديرةِ، وكانتْ فِي قهوةِ ابنِ صاغِي فِي بابِ مكَّة، وسجَّلتُ اسمِي فِي أوَّلِ سيَّارةٍ مسافرةٍ، وكانتْ مِن نوعِ (الإفات) أبوشنب؛ ولأنَّ السَّفرَ كانَ فِي اليومِ التَّالي عصرًا، فقدْ وضعتُ شنطةَ أمتعتِي تحتَ أحدِ كراسِي القهوةِ، مثلِي مثلِ سائرِ الركَّابِ المسافرِينَ، وكانَ الوقتُ عصرًا، فقرَّرتُ أنْ أزورَ خالتِي المقيمةَ فِي أحدِ أحياءِ جدَّة، وأنامَ عندَهَا وفِي الصباحِ أعودُ لمحطَّةِ السفرِ، وفعلًا عدتُ فِي صباحِ اليومِ التَّالي للمحطَّةِ، وذهبتُ لشنطتِي الموضوعةِ تحتَ أحدِ كراسِي القهوةِ؛ لكَي أضعَ فيهَا بعضَ حاجاتٍ أرسلتهَا خالتِي معَي للوالدةِ، وبعدَ فتحِهَا وجدتُ المبلغَ الذِي خبَّأتهُ فِي كيسٍ بداخلِهَا، وقدرهُ (15) ريالًا فضةً، قدْ اختفَى.

وجلستُ أُفكِّرُ فِي حلٍّ للمشكلةِ؛ لأنَّ العودةَ لأخِي أوْ خالتِي أوْ أحدِ الجماعةِ، أوْ صاحبِ القهوةِ غيرُ مجدٍ، ولنْ يحلَّ المشكلةَ، بلْ سيزيدهَا تعقيدًا ولومًا (والمفرِّطُ أَولَى بالخسارةِ)، فرأيتُ أنَّ الحلَّ الأمثلَ هُو: البحثُ عَن عملٍ أُوفِّرُ مِن خلالهِ أجرةَ سفرِي للديرةِ، وقدرهَا (15) ريالًا، فاتَّجهتُ للأسواقِ القريبةِ مِن المحطَّةِ، فرأيتُ مسنًّا يقف أمام عمارة حديثة الإنشاء، وبجانبها (نقلة بطحاء)، فسلمتُ عليه وقلتُ له: أي خدمة يا عم؟! قال: أبحثُ عن عامل ينقل لي هذه البطحاء إلى داخل دكان العمارة، قلتُ: أنا، قال: أنت صغير يا ابني والبطحاء كثيرة وثقيلة، وكان عمري حينها 13 - 14 سنة، قلت: إن شاء الله أستطيع نقلها، وبعد إلحاحي عليه، ورغبتي في حل مشكلتي، وافق بأجرة عشرة ريالات، وفرحتُ جدًّا واحتزمتُ بغترتِي وبدأتُ العملَ الساعةَ 9 صباحًا، وعندَ آذانِ الظهرِ توقَّفتُ، وكنتُ قدْ أنجزتُ أكثرَ من نصفِهَا، وتوجَّهتُ لأحدِ المطاعمِ القريبةِ وتغدَّيتُ وعدتُ، ولأنَّني كنتُ مرهقًا، فقدْ استندتُ علَى جانبِ البطحاءِ، ونعستُ قرابةَ ربعِ ساعةٍ وصحوتُ وجلًا، وواصلتُ العملَ، ومعَ آذانِ العصرِ أكملتُ العمليةَ بسلامٍ، وجلستُ بجانبِ العمارةِ، وجاءَ صاحبهَا ورأىَ أثرَ الغبارِ والإرهاقِ علَى ملامحِي، وشكرنِي ودعَا لِي وقالَ: مِن أيِّ القبائلِ أنتَ؟، قلتُ: مِن العرضيَّاتِ، أدرسُ فِي مكَّة، وفِي نهايةِ العامِ الدراسيِّ أقضِي الإجازةَ لدَى الوالدةِ وبقيَّةِ الأهلِ فِي الديرةِ، قالَ: أكيدٌ عندَكَ مشكلةٌ، لنْ أُحاسبَكُ إلَّا وتحكيهَا لِي، ولإصرارِهِ سردتُ لهُ الحكايةَ، فسلَّمني أجرتِي وزادنِي عليهَا خمسةَ ريالاتٍ، ودعَا لِي بالتوفيقِ، وباركَ لِي حُسنَ تصرُّفِي وعصاميَّتِي.

واتَّجهتُ للحملةِ، وحاسبتُ صاحبَ السيَّارةِ بـ(15) ريالًا أجرةَ إركابِي وشنطةِ أمتعتِي، وبقِيَ معَي ثلاثةُ ريالاتٍ، قدْ تفِي بنفقةِ زادِي فِي الطَّريقِ للديرةِ.

* خاتمة:

كان هذا من أهم وأحرج المواقف التي مررت بها في سيرة حياتي، وما أكثرهَا، أهديها لأبنائي من جيل اليوم، وهم يعبرون معتركَ الحياة، فقد يجدون فيها من الكفاح والعصامية وشحذ الهمم وتخطي الصعاب ما ينير دروبهم نحو النجاح، وتحقيق طموحاتهم المستقبلية في خدمة الأمة والوطن والقيادة، وتأسياً بقول الشاعر:

وَمَنْ يَتَهَيَّبْ صُعُودَ الجِبَالِ

يَعِشْ أبَدَ الدَّهرِ بَيْنَ الحُفرْ

- أوْ كمَا قالَ الآخرُ:

بِقَدْرِ الْكَدِّ تُكْتَسَبُ الْمَعَالِي

وَمَنْ طَلَبَ الْعُلَا سَهِرَ اللَّيَالِي

وَمَنْ رَامَ الْعُلَا مِنْ غَيْرِ كَـدٍّ

أَضَاعَ الْعُمْرَ فِي طَلَبِ الْمُحَالِ

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store