Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أ.د. ساري بن محمد الزهراني

«البارك».. وبيوتاتها الأثرية

A A
* فمع تواضع كل دار في قريتي (البارك)، كحال أغلب بيوتات القرى قديمًا، وصغر حجمها، ودنو أسقفها، إلَّا أنَّها كانت مملوءةً بما في قلوب أهلها من سعة (الخاطر)، واتِّساع أرواحهم وأنفسهم وأياديهم؛ بالجود والسخاء والكرم، بكل ما هو موجود.

* ما بين الفينة والأُخْرى تتاح لي فرصة المرور على ما تحتضنه قرية (البارك) من بيوتات قديمة، بُنيت بما تجود به الأرض؛ من حجر، وشجر، وطين، حتَّى ارتسمت بالاتِّساق والتَّماهي والبنية المتمايزة؛ فضلًا عن تلك الممرات الضيقة التي تخط رسمها عباب مساربها من أعلاها حتَّى أسفل واديها.

* دار واحدة بطابق، أو طابقين؛ الأوَّل -عادةً- للنوم والمعيشة، وإدارة شؤون البيت، والطابق السُّفلي -غالبًا- للبقر، والغنم، والمواشي، وممَّا تحصده الأيادي من حصيلة ما تجود به الأرض، من شعير، وقمح، وذرة.

* أقل، أو أكثر من ثلاث غرف، (حجرات صغيرات جدًّا)، هي -في الغالب- المأوى والمسكن ممَّا تستطيبه النفس هذه (الأيام)، وتسعى إلى تسجيله وتصويره عبر كل وساطة تقنية، عنوانه الأكبر هو الفخر، والزهو، والإكبار لمن تصبَّبت عروقهم، وتخشَّنت أياديهم.!!

* غالبًا هي ثلاث حجرات صغيرة؛ بنوافذ متواضعة، و(كترة) للضوء، يصحبها في بعض الأحايين جحرة أكثر اتِّساعًا؛ هي موطن الاستقبال، وموئل التجمُّع، ومحل الترحاب والحفاوة، ومأوى القلوب، ومحط السكينة، فيها تتعالى الضحكات والمسرَّات، وتتبارى الألسنة في سرد الحكايات، وعلى مائدة صغيرة تلتفُّ حولها الأجساد، وتمتد الأيادي نحو ما تواضع عليه أهلها؛ بأدب جم، وأثرة تسبقها قلوب طاهرة، وأنفاس محبة.

* معيشة مضنية بقلوب نقيَّة طاهرة، ونفوس راضية مرضيَّة، يتساوى فيها الجميع، فلا تدابر، ولا تناحر، ولا تباغض، ولا تحاسد؛ إلَّا ما يندُّ في طبيعة البشر من هذه المساوئ، التي سرعان ما تذوب في غمرة الحياة، وتعاقب الأيام وتداولها، وتقاطع المصالح المشتركة ما بين أهالي القرية، بزراعة أرض أو حصادها، بما تجود به من خيرات، أو المساعدة في بناء دار، أو عمارة (روبة)، أو تسوية (ركيب)، أو بالمساهمة في حفر بئر، أو (نثله).

* وفي وطننا الغالي الكثير من تلك القرى الأثرية القديمة، بعضها اندثر وتهدَّم وتقادم بها الزمن، فأصبحت أطلالًا غابرةً ومساكنَ خاويةً، وبعضها لمَّا يزلْ يصارع البقاء، ويشقى بعوامل التعرية والإهمال.

* إنَّ تلك القرى الأثريَّة، تُعدُّ إرثًا تأريخيًّا كبيرًا، يصحُّ فيها ما يصحُّ في كل إرث؛ بالعناية والرعاية والترميم والإصلاح؛ لما لها من أثر في التنمية الاقتصاديَّة المُستدامة؛ فضلًا عن نتائجها الجوهريَّة في صناعة العوائد الماليَّة عبر أبواب (السياحة).

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store