Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
نبيلة حسني محجوب

ورطة الإبداع!

A A
دونَ تخطيطٍ مُسبقٍ، وجدتُ نفسِي متورِّطةً فِي الكتابةِ عَن الكتابةِ، لمْ أخطِّط لكتابةِ سلسلةِ مقالاتٍ أو مقالةٍ من جزءَينِ، لَا أحبُّ تقييدَ القارئَ فِي متابعةِ الأجزاءِ، لكنْ خلالَ قراءتِي لكتابِ «اللُّغز وراءَ السُّطورِ»، للكاتبِ المصريِّ الرَّاحلِ (أحمد خالد توفيق)، استهوانِي أحدُ الفصولِ «العمل المدمر»، عَن إحدَى قصصِ (فرانك ستوكتون Frank Stockton)، وهو قاصٌّ أمريكيٌّ اشتُهرَ في القرنِ التاسعِ عشر وتُوفِّيَ عام 1902م.

القصَّةُ تدورُ حولَ ورطةِ المبدعِ عندمَا ينجزُ عملًا يستهوِي القُرَّاء، فيجدُ نفسَهُ رهينًا لإبداعهِ، مهمَا حاولَ أنْ يُبدعَ، لكنَّ القُرَّاءَ أو الجمهورَ ينتظرُ عملًا علَى مستوَى ذلكَ العملِ «المدمر».

القصَّةُ عَن كاتبٍ يُؤلِّفُ قصصًا قصيرةً متوسطةَ المستوَى، ويرسلهَا للمجلَّاتِ، يحقِّقُ منهَا دخلًا مناسبًا لهُ ولزوجتِهِ، ويضمنُ بهِ تناولَ عشائِهِ كلَّ ليلةٍ، وعندمَا نزلَ عليهِ الإلهامُ، وكتبَ قصَّةَ «المرحومة أخت زوجته»، عندمَا قرأتهَا زوجتُهُ قالتْ: هذهِ أروعُ قصَّةٍ قرأتهَا فِي حياتِي.

أرسل القصَّةَ للمجلَّةِ التِي ينشرُ فيهَا، صدرَ العددُ وفيهِ القصَّةُ، انهالتْ رسائلُ القرَّاءِ تُثنِي علَى القصَّةِ، وعلَى عبقريَّةِ كاتبِهَا، وبالتَّالِي رفعَ رئيسُ التَّحريرِ مكافأةَ الكاتبِ، انتهتْ ضوضاءُ «المرحومة أخت زوجته»، وعادتِ الحياةُ تنتظمُ، المجدُ لَا يبقَى للأبدِ، وقدْ حانَ وقتُ إطعامِ «المعدةِ الجائعةِ» كمَا يقولُ الكاتبُ. كتبَ المؤلِّفُ قصَّةً جديدةً، وأرسلهَا للمجلَّةِ، لكنَّهَا عادتْ إليهِ ومعهَا رسالةٌ مِن رئيسِ التَّحريرِ يقولُ فيهَا: «قصَّةٌ جيِّدةٌ، لكنَّ القارئَ الآنَ لمْ يعدْ يقبلُ هذَا المستوَى مِن القصصِ، لنْ يقبلَ بأقلِّ مِن «المرحومة أخت زوجته»، هكذَا ظلَّ الكاتبُ يرسلُ مَا يكتبهُ إلى المجلَّةِ، أو إلى مجلَّاتٍ أُخْرى، لكنَّهَا تعودُ إليهِ مرَّةً أُخْرَى، حتَّى اضطرتهُ الحاجةُ إلى إرسالِ قصصهِ باسمٍ مُستعارٍ؛ كَي تُنشرَ، ويتلقَّى المُكافَأة التِي يقيمُ بهَا أَوَدَهُ.

هذهِ هِي إشكاليَّةُ العملِ الأوَّلِ، أو الثَّانِي، أو الأخيرِ، الذِي يتجلَّى فيهِ الإبداعُ والاتقانُ، ويحوزُ تجاوبًا واسعًا مِن القُرَّاءِ.

القارئُ هُو المقياسُ الحقيقيُّ للنَّجاحِ، لذلكَ يسعَى خلفَ الأسماءِ الكبيرةِ التِي أنتجتْ عملًا جميلًا، وتفوَّقتْ علَى نفسِهَا، مفترضًا أنَّ كلَّ الأعمالِ تُشبهُ العملَ الذِي نالَ رضاهُم، ثمَّ يتحوَّلُونَ عَن المبدعِ أو العملِ إذَا كانَ أقلَّ جودةً، أو أنَّهُ لمْ يرضِ ذائقتَهُم.

عندمَا قرأتُ روايةَ «عزازيل» لـ(يوسف زيدان)، شعرتُ بالمتعةِ والدهشةِ؛ لجمالِ اللُّغةِ والحبكةِ مهمَا حاولُوا إلصاقَ تُهمةِ السَّرقةِ بهَا، لكنَّهَا -حقًّا- روايةٌ بديعةٌ، واستحقَّت جائزةَ بوكر، ثمَّ ركضتُ خلفَ رواياتِهِ الأُخْرى لمْ أجدْ فيهَا مَا وجدتهُ فِي «عزازيل»، فتوقَّفتُ عَن اقتناءِ رواياتِهِ.

روايةُ (أحلام مستغانمي) «ذاكرةُ الجسدِ»، استحقَّت جائزةَ نجيب محفوظ من الجامعةِ الأمريكيَّةِ بالقاهرة، انتظرَ القارئُ روايةَ «عابر سرير»، لمْ تكنْ بروعةِ الأُولَى؛ ربَّمَا روايةُ «الأسود يليقُ بكَ» تقتربُ منهَا قليلًا -مِن وجهةِ نظرِي-.

روايةُ «بنات الرياض» لـ(رجاء الصانع)، التِي أخذتْ شُهرةً طبقت الآفاقَ، التقيتُ مرَّةً بموزِّعِ من دولةٍ خليجيَّةٍ فِي معرضِ كتابِ القاهرة، أخبرنِي أنَّ روايةَ (الصانع)، لمْ تكنْ تنتظرُ كثيرًا علَى أرففِ المكتباتِ، حتَّى مِن المطاراتِ. هلْ يمكنُ أنْ نطلقَ علَى «بنات الرياض»، «العمل المدمر»؟ لمْ تكتبْ بعدهَا (الصانع) أيَّ عملٍ!.

الكتابةُ الإبداعيَّةُ تشبهُ -كمَا يصفهَا (توفيق)-: «صناعة الزَّهرةِ، أو خلق الماءِ أو النَّدَى».

فالجمالُ والإمتاعُ قيمتَانِ أساستَانِ فِي الكتابةِ، وعلَى القارئِ أنْ يجدهمَا بنفسِهِ دونَ عونٍ، فالنَّاقدُ يستطيعُ أنْ يقنعكَ بأيِّ عملٍ مهمَا كانَ مملًّا أو يفتقرُ للإمتاعِ. يُشبِّهُ النقادَ بأساتذةِ علمِ النباتِ، يتكلَّمُونَ عَن تركيبِ الزَّهرةِ المتقنِ، لكنَّهم فِي غمرةِ الكلامِ ينسُونَ هلْ الزهرةُ جميلةٌ وعطرةٌ أمْ لَا؟!.

الكتابةُ عمليَّةٌ معقَّدةٌ، وهِي معاناةٌ متواصلةٌ أقربُ للولادةِ، وقلقٌ مستمرٌّ مِن أنْ تكونَ قدْ نضبتْ، أو تكونَ هذهِ الروايةُ هِي الأخيرةُ.

قال (دان براون) صاحب «شيفرة دافنشي»: «أجمل شيء في الكتابة هو أن تكون قد كتبت فعلا»، أي بعد المخاض وخروج الجنين والتعافي من آلام الولادة، عندما يصبح المولود في أيدي القراء، معرفة انطباعاتهم وردود أفعالهم، يبدأ هاجس العمل التالي!.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store