Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. أحمد أسعد خليل

التكاسل الاجتماعي

A A
هذَا العنوانُ ليسَ بجديدٍ علينَا، بلْ قد يكونُ ظاهرةً تحكِي كيفيَّة الاعتمادِ علَى الغيرِ بالقيامِ بأدوارِنَا فِي الحياةِ، والتكاسلُ الاجتماعيُّ، هُو مَا يعنِي أنَّ الفردَ إذَا كانَ وسطَ مجموعةٍ تقومُ بمهمَّةٍ محددةٍ؛ يميلُ إلى بذلِ جهدٍ أقل مِن نفسِ الجهدِ الذِي يبذلهُ لوْ كانَ بمفردهِ يؤدِّي هذهِ المهمَّةَ، وترجعُ هذهِ الظاهرةُ بشكلٍ أساسٍ إلى أنَّ توزيعَ المسؤوليَّةِ علَى عددٍ كبيرٍ، يُشعِرُ بعضَ الأفرادِ أنَّهم غيرُ مسؤولِينَ عَن نتيجةِ جهودِهِم، وأنَّ الأمرَ يسيرُ بدونِهم أيضًا، وغيابُ الحافزِ الفرديِّ للشخصِ، والذِي لوْ بذلَ جهدًا كبيرًا، فلنْ يظهرَ للنَّاسِ مدَى تميُّزهِ وعِظَم مساهمتِهِ، وضعف التنسيقِ وخطوط التواصلِ بينَ مجموعةِ العملِ الواحدةِ.

كانَ أوَّل مَن لاحظَ هذهِ الظاهرةَ المهندسُ الفرنسيُّ ماكسيميليان رنجلمان عام ١٩١٣، حيثُ لاحظَ أنَّ قوَّةَ حصانَينِ يَجُرَّانِ عربةً معًا؛ ليستْ ضِعفَ قوَّةِ حصانٍ واحدٍ يَجُرُّ نفسَ العربةِ، ثمَّ قامَ بتجربةٍ علَى البشرِ من خلالِ لعبةِ شدِّ الحبلِ، وقاسَ الجهدَ الفرديَّ المبذولَ عندَ الشدِّ، ومِن ناحيةٍ أُخْرى قاسَ الجهدَ الجماعيَّ المبذولَ، وكانتْ كلُّ النتائجِ الرقميَّةِ تشيرُ إلى وجودِ علاقةٍ عكسيَّةٍ بينَ حجمِ المجموعةِ وإجماليِّ مساهمةِ أفرادِهِم المفترضة.

تأثيرُ رنجلمان في مجالِ العملِ، يوضِّحُ بأنَّه كلَّمَا كبُرَ حجمُ الشركةِ، كانَ مِن الأسهلِ علَى الموظَّفِ إخفاءَ عملِهِ الفرديِّ، ولكنْ -للأسفِ- يؤدِّي وجودُ هؤلاء الطفيليِّينَ الذِينَ يعيشُونَ علَى فكرةِ أنَّ العملَ يقومُ بهِ أشخاصٌ آخرُونَ؛ إلى انخفاضٍ فِي الروحِ المعنويَّةِ لدَى الأفرادِ أصحابِ الأداءِ المهنيِّ المرتفعِ، فينخفضُ مستوَى أدائِهِم هُم الآخرُونَ، والحقيقةُ لَا أحدَ فِي الشركةِ سيرغبُ فِي أنْ يكونَ ذلكَ «الساذجَ» الذِي يقومُ بكلِّ الشغلِ، بينمَا يقضِي الآخرُونَ وقتَهم دونَ عملٍ، ساخرِينَ منهُ، وهُو الأمرُ الذِي سيترتَّبُ عليهِ تهرُّبُ الجميعِ مِن العملِ، وانخفاضُ مستوَى أداءِ الفريقِ، وبمرورِ الوقتِ، تصبحُ ثقافةُ التكاسلِ الاجتماعيِّ المقرونةِ بتأثيرِ الساذجِ الذِي يقومُ بكلِّ العملِ جزءًا من ثقافةِ الشركةِ، الأمرُ الذِي ينجمُ عنهُ انخفاضٌ واضحٌ في إنتاجيَّةِ الجميعِ.

من تأثير رنجلمان والتكاسل الاجتماعي، أن عدد المتكاسلين ينخفض في الشركة عند توافر أحد الضوابط التالية: إدراك الموظفين أن سلوكهم الفردي تمكن ملاحظته وتقييمه.. إحساس الموظفين بقيمة وأهمية عملهم الفردي، وأن مساهمتهم تمثل جزءاً هاماً من المنتج النهائي للشركة.. تقسيم الموظفين إلى فرق عمل صغيرة؛ مما يسهل المتابعة، ويحسن من مستويات التنسيق.. التخلص بشكل نهائي من مدمني التكاسل والتسكع الاجتماعي.

وبقِي مِن القولِ مَا يُفسِّرُ مَا سبقَ، وهُو السببُ الذِي يجعلُ دولةً صغيرةً تحقِّق إنجازاتٍ أكبرَ مِن دولةٍ كبيرةٍ بسكَّانِها، وسببُ انتصارِ فئةٍ قليلةٍ علَى فئةٍ كثيرةٍ، وحذارِ مِن أنْ تظنَّ أنَّكَ كلَّمَا أضفتَ أعدادًا زيادةً علَى فريقٍ أو مجموعةٍ؛ فإنَّ الجهودَ ستتضاعفُ، ففِي أغلبِ الظنِّ أنَّ العكسَ قدْ يحدثُ.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store