أزماتُ السِّياسةِ الأمريكيَّةِ متصاعدةٌ فِي الدَّاخلِ والخارجِ، والكتابةُ عنهَا لَا تخلُو مِن التَّعبيرِ باستغرابٍ مِن التخبُّطِ والتناقضاتِ التِي لمْ يعدْ بإمكانِ السياسيِّينَ إخفاؤهَا، أو تجاهلُ آثارهَا السلبيَّةِ علَى علاقتِهَا الدوليَّةِ فِي عالمِ البثِّ الإعلاميِّ الآنيِّ، والتحوُّلاتِ السَّريعةِ التِي يشهدُهَا العالمُ والولاياتُ المتَّحدةُ الأمريكيَّةُ فِي المقدِّمةِ.
فِي مواسمِ الانتخاباتِ الرئاسيَّةِ، ومَا يصاحبُهَا مِن حشودٍ وتجييشٍ لعواطفِ المنتمِينَ حزبيًّا، والتَّسابقِ علَى كسبِ الأصواتِ المتأرجِحةِ بينَ الأقليَّاتِ والمهاجرِينَ يكونُونَ هدفَ المناوراتِ والاستقطابِ، حيثُ تلعبُ حملاتُ التبرُّعاتِ للمرشَّحِينَ دورًا كبيرًا فِي نجاحِ مَن يطمعُ فِي الفوزِ، والإعلامُ شريكٌ استثماريٌّ علَى كلِّ الجبهاتِ، وبشتَّى الوسائلِ، وتلكَ ميزةٌ لَا أحدَ ينافسُ الانتخاباتِ الامريكيَّةَ عليهَا فِي حجمِ التبرُّعاتِ، والصَّرفِ الدِّعائِيِّ، ووسائلِ البثِّ، والتَّرويجِ.
مِن هذَا الاستهلالِ الذِي يعكسُ الاندهاشَ والاستغرابَ والحيرةَ فِي هذِهِ المرحلةِ مِن عجزِ السياسةِ الأمريكيَّةِ عَن الحدِّ مِن المبالغةِ والتحيُّزِ لعلاقاتِهَا بإسرائيلَ الدولةِ الصهيونيَّةِ المارقةِ بامتيازٍ منذُ تأسيسِهَا قبلَ سبعةِ عقودٍ مِن الزَّمنِ. والمشهدُ أنَّ نتنياهو، وتصرفاتِ أعضاءِ الكونغرسِ خلالَ إلقائِهِ خطابهُ الذِي وصفهُ الكثيرُونَ علَى أنَّه الأسوأُ فِي تاريخِ الكونغرسِ مِن الذِينَ استُضيفُوا لمخاطبةِ الشعبِ الأمريكيِّ بواسطةِ ممثِّليهِ السياسيِّينَ فِي الكونغرسِ. والواقعُ أنَّ اللومَ يقعُ علَى مَن سمحَ لمجرمِ حربٍ أنْ ينالَ شرفَ المثولِ فِي ذلكَ المكانِ، ويحظَى باستقبالٍ واحتفالٍ استثنائيِّ، في الوقتِ الذِي لازالتِ الصَّواريخُ والقنابلُ تنهالُ علَى غزَّة وسكَّانِها العُزَّلِ، وتقتلُ الأطفالَ، والنِّساءَ، وكبارَ السِّنِّ بالسِّلاحِ الأمريكيِّ المدفوع ثمنهُ مِن الخزينةِ الأمريكيَّةِ، كمَا أنَّهُ يرفضُ كلَّ مبادراتِ الحلولِ السِّلميَّةِ لحلِّ القضيَّةِ الفلسطينيَّةِ..!
ولَا يخفَى علَى أحدٍ بأنَّ نتنياهو صنيعةٌ أمريكيَّةٌ بامتيازٍ.. خرِّيجُ جامعةِ شيكاغو، ولابُدَّ أنَّه كانَ يتعبَّدُ عندَ تمثالِ «الكبونِ» الشِّريرِ الشَّهيرِ الذِي يُعدُّ أحدَ المعالمِ السياحيَّةِ فِي مدينةِ شيكاغو السياحيَّةِ. وبعدَ تخرُّجِهِ أصبحَ يمارسُ كلَّ أفعالِ الشَّرِّ والإجرامِ، ولَا يخجلُ مِن المباهاةِ بأفعالِهِ الإجراميَّةِ، فِي الوقتِ الذِي تجرِي الإدانةُ والمرافعاتُ ضدَّهُ فِي محكمةِ العدلِ الدوليَّةِ.. ورغمَ ذلكَ يُستقبَلُ بحفاوةٍ غيرِ مسبوقةٍ فِي تاريخِ الكونغرسِ الأمريكيِّ، وذلكَ فعلٌ مشينٌ سيذكرُهُ التَّاريخُ بازدراءٍ لنتنياهو، والمحتفِينَ بهِ الذِينَ فاتهُم أنَّ الإهانةَ موجَّهةٌ للشَّعبِ الأمريكيِّ الذِي انتخبَهُم.
وخلاصةُ القولِ إنَّ زيارةَ نتنياهو، وخطابَهُ الذِي سجَّلَ علاماتِ استفهامٍ صارخةً؛ لمواقفِهِ وأفعالِهِ التِي تنافِي كلَّ القيمِ الإنسانيَّةِ، بلْ إنَّها محلُّ شجبٍ واستنكارٍ مِن قِبلِ المراقبِينَ السياسيِّينَ والإعلاميِّينَ فِي أنحاءِ العالمِ، وزادتِ المشهدَ الأمريكيَّ تأزمًا وانقسامًا فِي صفوفِ الحزبَينِ الجمهوريِّ والديموقراطيِّ.. وحَربُ الإبادةِ فِي فلسطينَ لازالتْ مستمرَّةً بالدَّعمِ الماديِّ والدبلوماسيِّ، وفتكِ السلاحِ الأمريكيِّ.


