Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
نبيلة حسني محجوب

المسرح.. وآخر ما قال الحجَّاجُ

A A
تمتلئُ مكتبتِي بهدايَا الكُتبِ، التِي تجمعُنِي بـ»رواياتِ نصوصٍ مسرحيَّةٍ قصصيَّةٍ، ودواوينََ شعرٍ، وكُتبٍ فِي مختلفِ مجالاتِ الإبداعِ»، وهِي هدايَا قيِّمةٌ، أو كمَا يقولُونَ: «خيرُ الهدايَا الكُتبُ».. ولأنِّي مدمنةُ قراءةٍ، لَا أستطيعُ تركَ الكتابِ إلَّا إذَا قالَ: اترُكينِي! أيّ إذَا لمْ يستدرجنِي بموضوعِهِ ولغتِهِ وأسلوبِهِ!.

مِن ضمنِ الهدايَا نصوصٌ مسرحيَّةٌ، معظمُهَا لا أجدُ فِي قراءتِهَا متعةً، كمَا هِي متعةُ قراءةِ الروايةِ التِي أميلُ إليهَا، أو أنِّي منحازةٌ لهَا بشكلٍ مَا، ربَّمَا لأنَّ المسرحيَّةَ يمكنُ مشاهدتهَا تجسيدًا مسرحيًّا أكثرَ منهَا نصًّا للقراءةِ، لكنْ كمَا يقولُونَ: «لكلِّ قاعدةٍ استثناءٌ»، هذَا ينطبقُ علَى مسرحيَّةِ «آخر مَا قالَ الحجَّاجُ» للشَّاعرِ المصريِّ محمود حسن.

لمْ أتمكَّنْ مِن مغادرتِهَا إلَّا معَ آخر مشهدٍ فيهَا، وآخر عبارةٍ. هذَا لَا يحدثُ معَي إلَّا معَ رواياتٍ قليلةٍ، ترتهنُ وقتِي حتَّى آخر كلمةٍ، ليسَ هذَا فقطْ، بلْ أستمرُّ فِي تقليبِ صفحاتِ الكتابِ، وقراءةِ كلِّ حرفٍ بعدَ آخر كلمةٍ، وكأنَّ ذائقتِي لمْ تتقبَّلْ مغادرةَ العملِ، وتودُّ لوْ أنَّهُ طالَ أكثرَ، مهمَا كانتْ صفحاتُهُ.

مسرحيَّةُ «آخر مَا قالَ الحجَّاجُ» تستقطبُ كلَّ حواسِّكَ بلغتِهَا الشِّعريَّةِ البليغةِ، وموضوعِهَا الذِي يجمعُ بينَ الماضِي والحاضرِ، بينَ التاريخِ والواقعِ، يقرِّبُ لكَ صورَ شخصيَّاتٍ وأحداثٍ، تسمعُ أصواتَهُم الساخطةَ، المدافعةَ، أو المبررةَ لأفعالِ الشخصيَّةِ بلغةِ الشعرِ الخالصِ، معَ توصيفِ بضعِ أسطرٍ أو كلماتٍ لحركةِ الشخوصِ علَى خشبةِ المسرحِ ومستوَى الإضاءةِ، وكأنَّكَ تشاهدُ مسرحيَّةً تتفاعلُ معَ شخوصِهَا سلبًا أو إيجابًا، يخفقُ قلبُكَ فزعًا، تطفرُ دمعةٌ مِن عينيِكَ حزنًا، والمسرحيَّةُ تستحضرُ مَا فعلَهُ الحجَّاجُ فِي مكَّة، وقتلَهُ عبدالله بن الزبير.

المسرحيَّةُ من ثلاثةِ فصولٍ، كلُّ فصلٍ بهِ عددٌ مِن المشاهدِ، المشهدُ الأوَّلُ: «مِن داخلِ البيتِ الحرامِ فِي صحنِ الكعبةِ»، «النَّاسُ معلَّقةٌ عندَ جدارِ الكعبةِ.. وعبدالله يطوفُ وحيدًا، ويفوحُ كعطرِ الجنَّةِ عِطْرُهُ، يصفعُ وجهَ الحربِ، يحاولُ أنْ لَا يُحرقَ شجرُ البيتِ ولا طَيْرُهُ، والأنظارُ معلَّقةٌ بالكعبةِ لا تسمعُ إلَّا همسًا، مِن بضعةِ أيَّامٍ يترجَّلُ، ثمَّ يُصلِّي بالشُّهداءِ إمامًا.. وينادِي النَّاسَ بأنَّ تثْبتَ فِي ساعاتِ الفتنةِ والحربِ، ثمَّ يعودُ لموضعهِ فوقَ العقدةِ والذنبِ».

كلُّ تلكَ الصورِ التخيُّليَّةِ لمكانةِ عبدالله بن الزبير وهُو شهيدٌ، بعدَ أنْ قتلَهُ الحجَّاجُ، ومثَّلَ بجثمانِهِ الطَّاهرِ.

ثمَّ مشهدُ السيِّدةِ أسماء بنت أبي بكر، عندمَا وقفتْ ببابِ الحجَّاجِ: «أسماء بنت أبي بكر: أمامَ البيتِ وقدْ تجاوزتِ التِّسعينَ مِن عمرِهَا»، «الرِّحلةُ كانتْ أكبرَ مِن قلبكِ يَا أسماءُ»، وهِي تخاطبُ الحرسَ: «كيفَ جرؤتُم والحَجَّاج علَى هذَا الجُرمِ فِي البيتِ وعندَ جدارِ الكعبةِ؟»، محاورةٌ شعريَّةٌ طويلةٌ بينَ أسماء والحجَّاج: «يَا بنت أبي بكر.. فيمَ مجيئُكِ؟» أسماءُ: «أَوَ لمْ يَئْنِ لِهَذَا الرَّاكِبِ أَنْ يَترَجَّلَ؟».

يقولُ الحجَّاجُ: «مَا أغربَ أنْ تتحدَّثَ فِي شأنِ الحكمِ امرأةٌ؟»، تردُّ عليهِ قائلةً: «بلْ تتحدَّثُ.. فالمرأةُ تدفعُ للسلطانِ بَنيهَا.. وتُرمَّل.. يقتلُهَا الحزنُ.. الحربُ ثَعَابِين كُبْرَى وذِئابٌ وكِلابٌ.. وجوارحُ عمياءُ.. والإنسانيَّةُ قِطَّةٌ».

كنَّا يَا حجَّاجُ جماعاتٍ يقتلُهَا الحقدُ.. وتحكمُهَا الغَيْرةُ.. حتَّى جاءَ رسولُ اللهِ ليُحدثَ فِي هذَا العالمِ ثَوْرَة.. مَا كانَ أبَا أحدٍ .. لكنْ رجلُ دولةِ».

المسرحية من ثلاثة فصول، كل فصل به عدد من المشاهد، كل عبارة في المسرحية، وكل فصل، وكل مشهد يستحق أن ينتقى ويكتب.

كنت أتمنى أن أكتب كل ما قاله الحجاج تبريراً لأفعاله، لكن مساحة المقال لا تستوعب نصاً بهذا الحجم.. أتمنى أن تهتم هيئة الترفيه بهذا النص المسرحي، وتحوله إلى مسرحية تعيدنا إلى مسرحيات شكسبير، ومسرحية «دماء على ستار الكعبة» التي كتبها الشاعر المصري فاروق جويدة.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store