Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد البلادي

أوقفوا الصيادلة المروِّجين!

A A
* أفهمُ أنْ يقومَ شخصٌ جاهلٌ، أو دجَّالٌ بنشرِ بعضِ الوصفاتِ العُشبيَّةِ فِي وسائلِ التَّواصلِ، إمَّا بحُسنِ نيَّةٍ، أو رغبةً فِي التكسُّبِ الماديِّ، لكنِّي لمْ أستطعْ أبدًا فهمَ كيفَ يقومُ طبيبٌ، أو صيدليٌّ بهذَا العملِ (الاعتباطيِّ)، فيصفُ بعضَ الأدويةِ والمكمِّلاتِ الغذائيَّةِ، ويروِّجُ لهَا بدمٍ باردٍ، وبكلِّ جرأةٍ، وبشكلٍ متكرِّرٍ علَى وسائلِ التَّواصلِ، دونَ أدنَى اعتبارٍ لخطورةِ مَا يفعلُ، ومنافاتهُ لأبسطِ قواعدِ المهنةِ!.

* غنيٌّ عَن القولِ إنَّ لكلِّ دواءٍ أو مكمِّلٍ غذائيٍّ أعراضَهُ الجانبيَّة التِي قدْ تزدادُ وتنقصُ بحسبِ عمرِ الإنسانِ وظروفِهِ الصحيَّةِ، هذهِ بدهيَّةٌ أوَّل مَن يدركَهَا هُم السَّادةُ الأطباءُ والصيادلةُ.. لكنْ يبدُو أنَّ الفوضَى التِي تعيشهَا وسائلُ التَّواصلِ هِي مَن جرفتِ البعضَ منهُم، فانساقُوا خلفَ حُمَّى الشُّهرةِ، والرَّغبةِ فِي التربُّحِ الماديِّ، فأصبحُوا يصفُونَ المكمِّلاتِ والأدويةَ بلا ضابطٍ، بلْ ويتبارُونَ فِي التَّرويجِ لهَا بشكلٍ يتنافَى معَ أبسطِ أدبيَّاتِ وأخلاقيَّاتِ مهنتِهِم!.

* قبلَ أيَّامٍ شاهدتُ أحدَهُم وهُو يروِّجُ -بكلِّ برودٍ- لحبوبٍ يقولُ إنَّها تؤدِّي للسَّعادةِ!! موجِّهًا الدَّعوةَ لكلِّ مَن لديهِ اكتئابٌ أوْ مَن يريدُ أنْ (يعملَ مزاجًا) بشرائِهَا!!، ولمْ يذكرْ أبدًا مَا لهذَا الدَّواءِ مِن آثارٍ جانبيَّةٍ.. وبقليلٍ مِن البحثِ فِي الإنترنت، وجدتُ أنَّ هذَا الدَّواءَ المأخوذَ مِن عشبةٍ شهيرةٍ يقومُ بتنشيطِ أعراضِ (الذُّهانِ)، وزيادةِ أعراضِ (الهَوسِ) عند متعاطِيهَا، وأنَّها -كغيرِهَا مِن مضادَّاتِ الاكتئابِ الكيميائيَّة- قدْ ترفعُ مِن الحالةِ المعنويَّةِ، وتزيدُ الشُّعورَ بالبهجةِ لدَى متعاطِيهَا، لكنَّهَا تتسبَّبُ فِي ارتفاعِ معدَّلاتِ العصبيَّةِ والهستيريَا والهوسِ لديهِ، وتضاعفُ مِن اندفاعِهِ.. ولكَ أنْ تتخيَّلَ كمْ مِن المراهقِينَ والباحثِينَ عَن السَّعادةِ مِن قليلِي الوعيِ والمرضَى النفسيِّينَ شاهدَ هذَا الإعلانَ؛ الذِي لمْ يكلِّفْ صاحبهُ لَا تصريحًا ورقيًّا، ولا حتَّى إلكترونيًّا!.

* المؤسفُ أكثر، أنَّ بعضَ الأطباءِ السعوديِّينَ المشاهيرَ يشاركُونَ فِي حفلةِ الفوضَى هذهِ أحيانًا، إمَّا بقليلٍ أو بكثيرٍ مِن (الوصفاتِ الجماعيَّةِ) التِي تطلقُ للجماهيرِ، وعلَى الهواءِ مباشرةً، فيصفُونَ بعضَ الأدويةِ علَى فضاءاتِ الإِنترنت، علَى طريقةِ (إذَا حَسِّيت بكذَا، خُذْ كَذَا)، المهمُّ هنَا التَّفاعلُ، ولتذهبْ كلُّ الأعرافِ الطبيَّةِ إلَى سلَّةِ النفاياتِ!.

* نشرُ الوعيِ الصحيِّ أمرٌ جيِّدٌ ومطلوبٌ؛ لكنَّ هذَا (الارتجالَ السيرياليَّ) لَا علاقةَ لهُ بالوعيِ، بلْ هُو ترويجٌ غيرُ محمودِ العواقبِ، إمَّا للنَّفسِ أو للمنتجاتِ، وهذَا مَا يجبُ الحدُّ منهُ بوضعِ عقوباتٍ صارمةٍ تحاسبُ علَى نشرِ أيِّ محتوَى طبيٍّ لَا يلتزمُ بالضوابطِ الطبيَّةِ المتعارفِ عليهَا، وأوَّلهَا وأهمُّهَا بالطَّبعِ هُو عدمُ وصفِ أيِّ مادةٍ طبيَّةٍ إلَّا بعدَ الكشفِ مِن خلالِ طبيبٍ مختصٍّ، وتحتَ مسؤوليَّتهِ الخاصَّةِ.

* الأمنُ الصحيُّ مِن أهمِّ أنواعِ الأمن، والقوانينُ المنظَّمةُ للعملِ الطبيِّ فِي بلادِنَا قوانينُ قويَّةٌ، وهِي محطُّ إشادةِ الجميعِ، لكنْ مِن المهمِّ التنبُّهُ للمروِّجِينَ مِن صيادلةِ وأطباءَ (التيك توك)، وبقيَّةِ وسائلِ التَّواصلِ، والحدُّ مِن خطرِهِم علَى أمنِ وسلامةِ وصحَّةِ النَّاسِ.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store