Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد البلادي

الرُهاب الفكري!

A A
* أحد المتابعين الكرام أرسل يقول: كثيرًا ما تنصح في مقالاتك ومنشوراتك على منصة (X) بعدم التأثر بما يقوله الآخرون عنّا، وهذا كلام جميل، لكنه نظري للأسف؛ ويستحيل تطبيقه على أرض الواقع، فمن المستحيل تجاهل ما يقوله الناس وأنت تعيش بينهم.. ثم يضيف: عشت حياتي كلها أرغب أن يحبّني الناس، محاولاً السيطرة على كل تصرفاتي وأقوالي، لكن هذه السيطرة في حد ذاتها جعلتني سجيناً، متوتراً، قلقاً، وسرقت راحتي!».

* رسالة المتابع الكريم طويلة، لكن يمكن تلخيصها في كلمة واحدة هي (الخوف) غير المبرر من كلام الناس، أو ما يمكن تسميته بـ(الرهاب الفكري).. نعم، فالاهتمام الزائد عند البعض بمعتقدات الآخرين عنهم تمثل (فوبيا) وجحيماً يحرق حياتهم، ويشلّ حركتهم بالخوف اللامنطقي من أحكام الناس عليهم، والرهبة من تصوراتهم عنهم، ولو تحكّموا في هذا الرهاب وقلّصوه، لعاشوا حياة أكثر سهولة وسعادة وإيجابية.. وحتى لا تتهموني بالتنظير كما فعل المتابع العزيز، سأضع بين يديكم اليوم أربع نقاط عملية يمكننا من خلالها التخلص من هذا الخوف المرضي، أو تقليص آثاره إلى حدودها الدنيا على الأقل.

1- (لا تشخصنها): اعزل ذاتك عن النقد:

النقد مهما كان حجمه ومصدره لا يجب أن يصل إلى ذاتك، أو أن يؤثر على نظرتك لقيمتك الذاتية، فلا أحد يملك القدرة على زعزعة احترامك لنفسك، ما لم تفعل أنت ذلك من خلال تضخيم النقد، وإسقاطه على شخصك.. ارفع ذاتك عن سواقط الكلام، وأعزلها عنه، فقيمتك زمامها بيدك، لا في آراء الآخرين.

2- النقد ليس دليل سوء: اقنع نفسك دائماً بهذه الفكرة، فالنقد والهجوم في أحيان كثيرة؛ علامة على أنك شخص مؤثر وفاعل، وأنك تعيش في قلب الحدث لا على الهامش، وهذا دليل على سيرك في الطريق الصحيح.. تقبل النقد ولا تخشَ الوقوع في الخطأ، ولتكن على يقين أن كل الناجحين لهم أعداء وكارهين، وأن النجاح بينهم يتفاوت بمقدار تغافلهم، وعدم انشغالهم بالأقوال.

3- لا تهتم: فكل شيء يمكن تغييره:

انظر للنقد بعقلانية، فهو في أحوال كثيرة لا يزيد عن كونه (حالة ظرفية) تتعلق بظروف وثقافات متغيرة.. فربما أسيء تفسير كلامك أو سلوكك أو حتى نبرة صوتك، وربما كان المنتقد واقعاً تحت ظرف نفسي يجب تقديره.. وحتى إن كان صحيحاً، كن على ثقة أن كل شيء يمكن تغييره حتى الصور الذهنية العميقة، المهم أن تقدم عقلك في التعامل معها لا عاطفتك.

4- لا تمكّنهم: ليس كل ناقد هو ناصح بالضرورة، فالبعض يكون نقده مجرد تعبير عن شعور بالنقص أو الخوف أو الكراهية، مما يشعره بالحاجة إلى إصدار الأحكام السلبية عندما تتملكه هذه المشاعر، ونحن للأسف نمكنهم من أهدافهم، بإعطاء كلامهم أكبر من حجمه، وكأننا نحقق لهم أمنياتهم.

* أخيرًا.. تأكد أننا جميعًا بشر، يتملكنا القلق بشأن ما يعتقده الآخرون عنّا، لكن هذا القلق يجب أن لا يصل لمرحلة (الرهاب) الذي قد يتسبب في إفساد حياتنا بالعزلة، أو بتغيير اتجاهاتنا.. تذكّر دائماً أنك تعيش وسط أناس بثقافات وأفكار ونفسيات وظروف مختلفة، وأنك كلما تصرفت بعقلانية وحكمة تجاه كلماتهم وانتقاداتهم؛ نجحت معهم ونجحت في حياتك واستمتعت بها.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store