Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد البلادي

الأيديولوجيا لا تموت مع أصحابها!

A A
* تلجأ الجماعات المتطرفة (سياسية كانت أم دينية) إلى (الأدلجة) أو (التعليب) العقلي من أجل ضمان استمراريتها، وتحقيق أهدافها، وكسب المزيد من الأتباع.. والأدلجة عمليات فكرية منظمة ترمي إلى تشكيل عقول الأفراد؛ وتوجيه أفكارهم ومشاعرهم نحو غايات معينة.. وتقفز هذه العملية على الإقناع المنطقي المجرد، إلى ترسيخ قناعات بعينها (متطرفة وغيبية في الغالب) بطرق يصعب تغييرها فيما بعد، والهدف كما قلنا تحقيق الولاء المطلق، والطاعة العمياء التي لا تعترف بعقل أو منطق.

* ولتحقيق هذه الأهداف تستخدم الجماعات (على مختلف المذاهب والعقائد والأديان) عدداً من الآليات؛ لعل أهمها (تسطيح الأفكار المفرط) حيث يتم تقديم الأفكار الفلسفية المعقدة بطريقة ساذجة للغاية، لكي يسهل خداع البسطاء وغير المتعلمين (الذين عادة ما يشكلون غالبية أعضاء هذه الجماعات) بفهمها، مع التكرار المستمر لهذه المغالطات، مما يعزز الإيمان بالأفكار المغلوطة، ويرسّخها في الوجدان الجمعي للأتباع، الذين يتبنونها كمسلمات لا تقبل الجدل ولا النقاش؛ ويدافعون عنها بضراوة رغم فهمهم المشوه لها!.

* ولكي تكتمل الصورة، لابد هنا من تحديد (عدو) لتحميله مسؤولية المشكلات التي تعاني منها الجماعة، وللتخويف وتبرير أعمال العنف والكراهية، وتتضاعف الخطورة حين يتلاعب القادة بالعواطف الإنسانية للأفراد مثل مشاعر الخوف والأمل، والحب والكراهية، لحماية أيديولوجيات الجماعة من النقد والتشكيك، ولتحفيز حامليها على التضحية بالمال والنفس.

* في بيئات جاهلة كهذه، من الطبيعي جداً أن يقوم القادة بفلترة المعلومات والآراء التي تتلقاها القطعان، ورفض كل الأفكار والأخبار والآراء والقراءات التي تتعارض مع الأيديولوجيا الشعبوية السائدة، والتحذير من التفكير النقدي أو حتى العقلاني، وبدلاً من ذلك يتم إشعال فتائل التعصب والكراهية والتمييز في نفوس الأتباع ضد كل من لا يشاركهم ذات المعتقد!.

* الملاحظ واللافت أنه لا يمكن الفصل في الكثير من الأحيان بين الأدلجة العقائدية؛ والسياسة، فهما متشابكان ومتداخلان ويخدم كل منهما الآخر، وغالباً ما يتم تكوين ودعم الفرق المؤدلجة عقائدياً من قبل السياسيين لخدمة أهدافهم الخاصة والعكس صحيح تماماً.

* الخطير في أمر هذه الجماعات المؤدلجة، وما أردت لفت انتباهكم له اليوم هو أن الأيديولوجيا -خصوصاً المتطرفة- لا تنتهي بنهاية قادتها، ولا بموت مؤسسيها.. بل تستمر وربما تكبر وتتضخم بموتهم؛ وتحولهم إلى رموز مقدسة، طالما كانت البيئة التي صنعوها قائمة ومتفاعلة.. وهنا تظهر أهمية اختراق هذه البيئات الفيروسية وتفكيكها من خلال نشر الوعي، والتعليم الجيد القائم على التفكير النقدي، وتشجيع ثقافات التسامح والاحترام المتبادل، مع ضرورة مكافحة التطرف بكافة أشكاله، وعدم التساهل مطلقاً مع من ينشرون التعصب والعنصرية والكراهية.. وهذا بالتأكيد دور الحكومات القوية والشجاعة والراغبة في الحياة.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store