كلمةُ حُبٍّ، هِي دائمًا مفتاحٌ للإيجابيَّةِ فِي الحياةِ، ولعلَّ أوَّلَ مَا يتبادرُ إلَى الذِّهنِ لتعريفِ هذهِ الكلمةِ، وخصوصًا فِي عالمِ الإدارةِ وفنونِهَا، هُو الاهتمامُ بالجوانبِ الأُخْرى فِي الأعمالِ، بدءًا مِن فريقِ العملِ ثمَّ العواملِ المساعدةِ علَى تحقيقِ أهدافِ وإستراتيجيَّاتِ العملِ المطلوبةِ، ولكنْ دائمًا مَا نؤكِّدُ علَى أنَّ الحُبَّ وحدَهُ لا يكفِي، ويحتاجُ إلى محفِّزاتٍ متطورةٍ؛ لِكَي تضمنَ لهُ الاستمراريَّةَ للمستقبلِ.
الإدارةُ بالحُبِّ، هِي نمطٌ مِن أنماطِ الفكرِ القياديِّ الإداريِّ المعاصرِ، والتِي ظهرتْ واتَّسعتْ ممارستهَا في الكثيرِ مِن منظماتِ الأعمالِ العالميَّةِ والمحليّةِ، ضمنَ مرحلةِ تطورِ القيادةِ الأخلاقيَّةِ وأنواعِهَا، والتِي سوفَ نتحدَّثُ عنهَا لاحقًا، ولذلكَ بدأَ أغلبُ قادةِ منظَّماتِ الأعمالِ نحوَ ممارسةِ الإدارةِ بالحُبِّ، كنمطٍ قياديٍّ هدفهُ رفعُ درجةِ الانتماءِ، وتعميقِ حُبِّ المنظَّمةِ لدَى المرؤوسِينَ مِن خلالِ تهيئةِ أجواءِ المحبَّةِ والإبداعِ فِي بيئةِ العملِ؛ للوصولِ إلَى أفضلِ أداءٍ للمنظَّمةِ، يحقِّقُ لهَا أهدافهَا.
الإدارةُ بالحُبِّ، ينظرُ لهَا كونهَا فنَّ التَّأثيرِ علَى القلوبِ، والتِي لا يمكنُ أنْ تتحققَ إلَّا بالمحبَّةِ المتبادلةِ بينَ القائدِ والمرؤوسِينَ فِي المنظَّمةِ، حيثُ إنَّها تجعلُ المرؤوسِينَ يطيعُونَ أوامرَ القائدِ بمحضِّ إرادتِهِم وبكلِّ طواعيةٍ وانقيادٍ، فالحبُّ بمفهومهِ العامِّ لَا يبتعدُ عَن الاهتمامِ بمشاعرِ الآخرِينَ، وهُو عاطفةٌ قويَّةٌ تولِّد المودَّةَ والتعلُّقَ الشخصيَّ بينَ القائدِ ومرؤوسِيهِ.
إنَّ الحبَّ فِي الإدارةِ منهجٌ قيِّمٌ وعواطفُ وسلوكٌ، فهُو مركزٌ للمشاعرِ النبيلةِ، والأداةِ الرئيسةِ للفلسفةِ الجديدةِ القائمةِ علَى أنَّ الإدارةِ بالحُبِّ هِي المدخلُ الصحيحُ لبناءِ منظَّماتِ أعمالٍ متكاملةٍ ومتوازنةٍ ومرنةٍ، ذات مبادئَ وأخلاقٍ.
الإدارة بالحب، تنبثق من خمسة أركان رئيسة هي: حب القائد للعاملين، حب القائد لنفسه، حب القائد للمنظمة، حب القائد للعملاء، حب القائد للمجتمع، وهذه الأركان أحدهما يكمل الآخر، ويجب أن يستوعبها من يتحمل مسؤولية القيادة الإدارية، وهو ما يؤكد عليه علماء الإدارة أن فشل النظريات الإدارية الحديثة وتطبيقاتها لا يعود إلى فشل مناهجها وعدم مصداقيتها، بل يعود إلى افتقارها للإدارة بالحب، وافتقارها للفطرة والحنان وتطبيقها.
الإدارةُ بالحُبِّ تتطلَّبُ تحويل السلوكِ التنظيميِّ فِي المنظمةِ إلى صورةٍ طبقِ الأصلِ مِن قيمِ ومعتقداتِ فطرةِ الأمومةِ، ومِن ثمَّ إحداثُ تغييرٍ فِي ثقافةِ المنظمةِ نحوَ الإدارةِ بالفطرةِ، وهُنَا ينجحُ القائدُ الإداريُّ بإدارتِهِ.
إنَّ العيشَ بدونِ حُبٍّ حقيقيٍّ هُو حياةٌ في الظلامِ، وهِي إيجادُ بيئةٍ تخنقُ العاطفةَ والإبداعَ والأفكارَ الجديدةَ والمتطوِّرةَ، في المقابلِ، فإنَّ أولئكَ الذِينَ يعتنقُونَ الحُبَّ والرحمةَ والتفاهمَ يجدُون حياتهُم تزدهرُ بالوفاءِ والوفرةِ.. إنَّ الإدارةَ بالحُبِّ هُو منهجٌ قرآنيٌّ عظيمٌ، فقدْ أوصَى اللهُ -عزَّ وجلَّ- رسولَهُ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ..)، واللفظُ هنَا هُو سيِّئُ الخُلقِ قاسِي القلبِ، فإذَا كنتَ قائدًا قاسيًا لانصرفَ كلُّ مَن حولَكَ، فعزِّز محبَّتكَ لهُم دائمًا.
لقدْ شوَّه وأساءَ بعضُ مَن تحمَّلوا قيادةَ منظَّماتِ الأعمالِ للعملِ الإداريِّ وأنماطِهِ القياديَّةِ الأخلاقيَّةِ، ومنهَا الإدارةُ بالحُبِّ، فجعلُوا المنظَّمةَ جزءًا مِن إرثِهِم العائليِّ، فركَّزُوا علَى هدفِهِم الماديِّ الذاتيِّ، وغايتهِم التَّربح علَى حسابِ المنظَّمةِ، لذلكَ ظلمُوا وتعسَّفُوا وقسُوا وتجاوزُوا حدودَ اللياقةِ الاجتماعيَّةِ والسلوكيَّةِ في قرارتِهِم لمَن هُم أجلُّ منهُم أخلاقًا وعلمًا ومنزلةً، لذلكَ تدهورتِ المنظمةِ، وسارعُوا فِي إبطاءِ دورةِ حياتِهَا أو حتَّى موتِهَا.
(الإدارةُ بالحُبِّ فنٌّ يتقنهُ القليلُ فقطْ).


