حركةُ النَّاسِ هِي التِي تمنحُ الأمكنةَ جمالَهَا، صدقَ مَن قالَ: «جَنَّة بلَا نَاس مَا تِنْدَاس»، ربَّما لذلكَ نغشَى الأمكنةَ المزدحمةَ، تستهوِينَا تلكَ الأزقَّةُ الضيِّقةُ التِي يزدحمُ فيهَا الرَّاجلُونَ، لَا.. لَيسَ ازدحام السيَّاراتِ ولَا الطَّوابِير التِي تبعثُ السَّأمَ، خصوصًا عندمَا تنتهِي مِن التسوُّقِ وأنتَ فِي قمَّةِ الفرحِ بمَا جمعتهُ، وتنسَى أنَّ أمامَكَ خطوةً أخيرةً مملِّةً ومزعجةً، خصوصًا عندمَا لا تجدُ غيرَ محاسبٍ واحدٍ، وكلُّ أماكنِ المحاسبِينَ خاليةً مِن العناصرِ المهمَّةِ لتسريعِ حركةِ الطَّابورِ، أو الطوابيرِ، أحيانًا أتركُ مَا بيدِي مجبرةً؛ لأنَّ الانتظارَ الطويلَ فِي الطوابيرِ مرهقٌ، خصوصًا لمَن يعانُونَ مِن «وَهَنِ العَظمِ» مثلِي.
الازدحامُ الذِي يمنحُ الحياةَ للمكانِ؛ هُو ذلكَ الاكتظاظُ البشريُّ الذِي يمنحُ الحجارةَ أنفاسًا، والأزقَّةَ قلبًا ورئتَينِ تزفرَانِ وتشهقَانِ عبقًا معتَّقًا بالتَّاريخِ، أو الفنِّ الذِي صنعتهُ أناملُ الإنسانِ.
نمارسُ الانغماسَ فِي الازدحامِ عندمَا نسافرُ إلَى دولٍ أو مدنٍ اشتُهرتْ بعضُ شوارعِهَا أو مبانِيهَا بالألوانِ، أو المقاهِي والحوانيتِ الصغيرةِ، والكراسيِّ علَى الأرصفةِ، ورائحةِ القهوةِ تجذبُكَ إلَى أقربِ مقعدٍ، وأنَتَ مدفوعٌ بشغفِ المعرفةِ والاكتشافِ، لتتعرَّفَ علَى المكانِ، وتكتشفَ سرَّ هذَا الاكتظاظِ البشريِّ مِن الرَّاجلِينَ، لَا يفسدُ تلكَ المتعةَ غيرُ دخولِ السيَّاراتِ والدرَّاجاتِ النَّاريَّةِ تشتِّتُ الجموعَ، وتنشرُ الخوفَ، خصوصًا عندمَا يكونُ الزِّقاقُ ضيِّقًا، والازدحامُ أكبرَ مِن طاقةِ المكانِ علَى الاستيعابِ.
في رمضان تصبح الأسواق متعة المتسوقين، هل المتعة فقط من أجل التسوق؟ أم من أجل تلك الجموع الدافقة، تحرض الجميع على ارتياد الأسواق رغم ازدحام الشوارع بالمركبات؟ إلا أن السريان وفق التدفق البشري يبهجك، لذلك تنغمس كل مساء في لجة الفوضى والضجيج؛ لأنك تشعر بالحياة، أو أنك تمنح أنفاسك للآخرين، كما أن الآخرين يمنحونك أنفاسهم.
أنَا أفعلُ ذلكَ نادرًا، عندمَا يُحرِّضُنِي الحنينُ إلَى خوضِ غمارِ التجربةِ، تجربةِ ارتيادِ الأسواقِ، خصوصًا الشعبيَّة التِي يتدفَّقُ إليهَا الجميعُ دونَ تفرقةٍ أو تمييزٍ، غالبًا عندمَا يقاربُ شهرُ رمضانَ الفضيلُ علَى المضيِّ ملوِّحًا ببهجةِ العيدِ، تزدحمُ الأسواقُ لولَا إرهاقُ الطَّوابيرِ، لاكتملتْ متعةُ الاكتظاظِ البشريِّ!.
فِي جدَّة التاريخيَّة فِي شوارعِهَا الملتويةِ والمنازلِ الشامخةِ التِي تحتكرُ بينَ جدرانِهَا قصصًا وحكاياتٍ، أفراحًا وأحزانًا. أجيالٌ وأجيالٌ تعاقبتْ عليهَا عندمَا تكتظُّ تلكَ الشوارعُ خلالَ المواسمِ تصبحُ لهَا نكهةٌ مختلفةٌ، ويزيدُ جمالَهَا جمالُ التدفُّقِ البشريِّ.
خلالَ زيارتِي لبعضِ المعالمِ فِي إسطنبول الأوروبيَّةِ والآسيويَّةِ، عندمَا زرنَا برجَ قلطة، قلتُ مَا الذِي يحرِّضُ كلَّ تلكَ الجموعِ علَى الوقوفِ؟ هلْ هُو جمالُ البرجِ؟ أمْ أنَّ الأجملَ تلكَ الأزقَّةُ الصاعدةُ الهابطةُ المكتظَّةُ بالحوانيتِ والمعروضاتِ السياحيَّةِ، أم تلكَ الطوابيرُ الطويلةُ لصعودِ البُرجِ، أو التِي تنتظرُ مقعدًا خاليًا فِي المقاهِي حولَ ساحةِ البرجِ؟ لمْ أحاولْ حتَّى الوقوفَ معهَا، تبدَّدتِ الرَّغبةُ، حتَّى السَّير فِي الشوارعِ الصغيرةِ لمْ تدمْ متعتُهُ لمرورِ السيَّاراتِ والدرَّاجاتِ النَّاريَّةِ وتفريقِ الجموعِ عندمَا تمرُّ سيَّارةٌ أو درَّاجةٌ ناريَّةٌ.
عندمَا ذهبتُ إلَى «كادي كوي» أدهشتنِي حركةُ البشرِ فِي الشوارعِ المكتظَّةِ بالمقاهِي والمطاعمِ المتخمةِ بالجالسِينَ علَى مقاعدِهَا، تمنَّيتُ لوْ أنَّي مشيتُ فِي تلكَ الأزقَّةِ بينَ الرَّاجلِينَ، لكنْ لَا أملكُ تلكَ الرفاهيَّةَ صحيًّا، لذلكَ كنتُ أستشفُّ المتعةَ مِن تلكَ الوجوهِ التِي منحتِ الأزقةَ أنفاسَهَا!.
الإنسانُ، كائنٌ اجتماعيٌّ، هكذَا قالَ علماءُ الاجتماعِ، لذلكَ تجدهُ بينمَا يمقتُ الازدحامَ؛ يندفعُ إلَى الأسواقِ المزدحمةِ والأزقَّةِ الضيِّقةِ، انظرْ «خان الخليلي» بمصرَ فِي المساءِ، لَا تتبيَّن طريقكَ بينَ الجموعِ البشريَّةِ المتدفِّقةِ، وعندمَا يكونُ خاليًا، أوْ أقلَّ اكتظاظًا علَى مدَى اليومِ لَا يُحبِّذُ الجميعُ ارتيادَهُ.
رؤيةُ الآخرِينَ يرتادُونَ ذاتَ المكان، ويمنحُونَ أنفاسَهُم سخيَّةً لأبنيتِهِ ومساراتِهِ والتواءاتِهِ؛ هِي الندَّاهةُ التِي تغويكَ، لتنغمسَ فِي لُجَّةِ الضَّجيجِ واكتظاظِ البشرِ!.


