على مدى عقودٍ زمنيَّةٍ طويلةٍ، والدولة السعوديَّة تجري تحسيناتٍ كثيرةً على كلِّ شبر من مدينتَي مكَّة المكرَّمة، والمدينة المنوَّرة، لينعم الحجيج والزوَّار بإقامةٍ خاليةٍ من المنغِّصات، لذلك لم تكتفِ بمشروعات توسعة الحرمين الشَّريفين، وتجديدهما وتجديد فرشهما المستمر على أعلى مستوى من الفخامة، وعمليَّات تنظيف المسجدَين التي تتم بأساليب متطوِّرة، فلا يشعر المصلُّون فيهما بعمليَّات التنظيف، كذلك يُدهشُون من نظافتهما البرَّاقة على مدى الليل والنهار، وفي كل الصَّلوات حتَّى في شهر رمضان وبعد الإفطار، رغم كميَّات موائد الطعام الممدودة.
كذلك عملت الدولة السعوديَّة منذ تأسيسها حتى يومنا هذا على العناية بالمزارات المقدَّسة في المدينة المنوَّرة، من حيث تحديث بنيتها، وتطوير المساحات حولها، كما أنَّها وفَّرت في مساجدها مصلَّيات للنِّساء مكتملة بمرافقها، وتوفير كافَّة الخدمات بها.
كل ما سبق عايشه كلُّ مَن زار المدينة المنوَّرة، وزار مزاراتها المتعدِّدة، كمسجد قباء، وجبل أُحد، ومسجد القِبلتَين الذي كان يصلِّي فيه المسلمون متوجِّهين إلى بيت المقدس، ثم تحوَّلت قبلتهم إلى مكَّة المكرَّمة استجابةً لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (البقرة: 150).
خلال زيارتنا لتلك المزارات، فُوجئنا بكثرة الباعة المتجوِّلين، أطفال صغار، وشباب، ونساء يرتدين العباءة وغطاء الوجه، لتوهمك بأنَّها مواطنةٌ، جَارَ الزَّمانُ عليها، فتهبَّ لمساعدتها، كذلك الأطفال والشباب يرتدون الزيَّ السعوديَّ يحملون في أيديهم مناديل، أو مناشف، أو قارورة ماء، يلحُّون عليك في الشِّراء حد الالتصاق بك، والنَّاظر لهم لا يخطئه اتِّساخ ملابسهم وأيديهم، إنْ أخذت منهم كأنَّك تشتري الجراثيم والأمراض، وإنْ عزفت وحاولت الابتعاد لا يبتعدون، بل يزيدون التصاقًا.
اتَّصلتْ بي الأسبوع الماضي صديقة عزيزة معروفة بأياديها البيضاء هي وأسرتها، كذلك ثقافتها الموسوعيَّة، اتَّصلت تشكُو من هؤلاء البائعين ومضايقتهم للزَّائرين للمزارات، والتصاقهم بملابسهم الرثَّة وأيديهم المتَّسخة من المكوث طول النهار حول المزارات، وانتقالهم من شخص لآخر بشكلٍ مُلحٍّ وإجباريٍّ حد الالتصاق.
كذلك أخبرتني عن استغلال الزوَّار، من خلال إيهامهم بالتصدُّق بكراتين المياه التي تُعرض للبيع، فيدفع الزَّائر قيمة الكرتون؛ كَي يتم توزيعه مجانًا على الزوَّار -سبيلًا- فيتم بيعه أكثر من مرَّة! قالت لي: إنَّ أحدهم باع كرتونة الماء أمامها أكثر من سبع مرَّات، وهو يرتدي الثَّوب السعودي، لكن بصورة مزريةٍ.
نعلم أنَّ الدولة تسعى للحدِّ من التخلُّف وإعادة المتخلِّفين إلى بلدانهم، بذلت -ولا تزال تبذل- جهودًا للقضاء على هذه الظاهرة المزعجة، كذلك تبذل جهودًا مضاعفةً للقضاء على التسوُّل؛ كي لا يتعرَّض مواطن للحاجة فيمد يده؛ برامج عديدة لمساعدة الأُسر المتعفِّفة عن طريق الضمان الاجتماعي، ومساعدة العاطلين عن العمل عن طريق «ساند»، كذلك مساعدة كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصَّة، والمرضى عن طريق قنوات متعدِّدة فُتِحت للمواطنين فقط، وهى تشدِّد على عدم إيواء المتخلِّفين وعدم نقلهم، لكن -للأسف- ما يحدث أنَّنا نساعدهم بالصدقات ودعمهم بالكثير من الخيرات؛ ممَّا جعلهم يستمرئُون التسوَّل أو المظهر بمظهر الباعة، وهم مدركون تمامًا أنَّنا لن نأخذ منهم، بل نمنحهم أضعاف سعر ما يتظاهرون ببيعه.
المسؤولية مشتركة بين الجهات المعنية في المدينة المنورة، التي لا أعرف مبررها في التغاضي عن هذه الأعداد الكبيرة من البائعين المتجولين حول المزارات! هل هؤلاء من المتخلفين، أو أنهم بإقامات عمل، أو على كفالة سعوديين، أو على كفالة أحد منهم، أم أنهم يأتون بتأشيرة زيارة فيمتهنون التسول ومزاحمة ومضايقة زوار المزارات في المدينة المنورة.
الحقيقة أنَّ هذه الظاهرة منتشرة في مدينة جدَّة أيضًا عند إشارات المرور، وحول المستشفيات، وحول المراكز التجاريَّة، كما أنَّ بعضهم يتجرَّأ ويتبعك في تسوِّقك.


