حتَّى كتابة هذه المقالة، لا زال اسم الفائز بكرسيِّ الرئاسة في البيت الأبيض لم يتحدَّد بعد، مهما أظهرت الإحصاءات واستطلاعات الرَّأي والحملات الانتخابيَّة الفروق في أصوات النَّاخبين، إلَّا أنَّ الكلمة العُليا للمجمَّع الانتخابيِّ.
في الانتخابات الأمريكيَّة، تزداد حدَّة المعارك، وتتسارع وتيرتها كلَّما اقترب زمن الإدلاء بالأصوات، قبل ما يُعرف بالصَّمت الانتخابيِّ، مع هذا ربما تؤثِّر الفضائح التي يكشفها المتنافسون على نسبة قبول النَّاخبين للمرشَّح، لكنَّ الكلمة العُليا، أو الحاسمة هي للمجمَّع الانتخابيِّ، الفريد من نوعه، فلا يوجد شبيه له في العالم، ولا يُؤخذ به إلَّا في الانتخابات الأمريكيَّة.
المجمَّع الانتخابيُّ، هو هيئة انتخابيَّة، مهمَّتها انتخاب رئيس الولايات المتحدة الأمريكيَّة ونائبه، يتكوَّن المجمَّع الانتخابيُّ من «538» شخصًا، يمثِّلون «50» ولايةً أمريكيَّةً، بالإضافة إلى المقاطعة الفيدراليَّة التي تمثِّل العاصمة، واشنطن.
يجب أنْ يحصل الرئيس على أغلبيَّة «على الأقل 270» صوتًا من الأصوات الانتخابيَّة للمجمَّع الانتخابيِّ، وكذلك نائب الرئيس.
في عام 2000م، فاز جورج دبليو بوش بأصوات المجمَّع الانتخابيِّ، رغم خسارته أمام التَّصويت الشعبيِّ الذي كسبه آل جور في ذلك الوقت، كذلك كسب دونالد ترامب أصوات المجمَّع الانتخابيِّ عام 2016م، رغم خسارته أمام هيلاري كلينتون في التصويت الشعبيِّ.
يتكوَّن المجمَّع الانتخابيُّ من مجموعة من النَّاخبين الرئاسيِّين، ويتم تشكيله كل أربع سنين، لهدف وحيد، هو انتخاب الرئيس، ونائب الرئيس.
يتم تعيينهم عن طريق الولايات، حيث تُعيِّن كل ولاية ناخبَين اثنَين أو أكثر، حسب عدد السكان، ففي كل ولاية عدد من كبار النَّاخبين يساوي عدد ممثِّليها في مجلس النواب، حسب عدد سكان الولاية، وفي مجلس الشيوخ اثنان لكل ولاية، بغض النظر عن حجمها.
كاليفورنيا لديها 55 من كبار النَّاخبين، وتكساس 38. كما أنَّ المرشَّح الذي يفوز بغالبيَّة الأصوات في ولاية؛ يحصل على أصوات كبار ناخبيها جميعهم.
إذا لم يحصل أيُّ مرشَّحٍ على الأغلبيَّة المطلقة، تُجرى انتخابات طارئة، حيث يُطلب من الكونغرس الأمريكي انتخاب الرئيس، ونائب الرئيس.
انطلقت الانتخابات الرئاسيَّة الأمريكيَّة أمس الثلاثاء، 5 نوفمبر، وسط تقارب شديد بين الجمهوري دونالد ترامب، ومرشَّحة الحزب الديمقراطيِّ كامالا هاريس، وفق استطلاعات الرأي. قد يفوز أحدهما بالاقتراع دون الفوز بالتَّصويت الشعبيِّ.
تقوم الانتخابات الأمريكيَّة على اقتراع غير مباشر، يعتمد على أصوات كبار النَّاخبين في المجمَّع الانتخابيِّ، وتفتح أبواب البيت الأبيض للمرشَّح الذي يتخطَّى عتبة 270 من أصوات كبار النَّاخبين.
هذا الزخم الإعلامي الذي تحظى به الانتخابات الأمريكية، والمتابعة الحثيثة للمناظرات والأخبار والحملات الانتخابية، ربما لأن كل مرشح يسعى إلى التنقيب في أسرار الخصم، وإفشاء كل المعلومات السرية، فلا تبقى ورقة توت تغطي سوءة الخصم، فكل ما يمكن أن يضعف الخصم في نظر الناخبين يستعرض بشكل سافر.
ربَّما هذا هو المستور، الذي يجذب المتابعين والقنوات الإعلاميَّة، هو الذي يمنح الانتخابات الأمريكيَّة نكهتها المميَّزة، تلك المسائل الخفيَّة التي تبدأ في الظهور، وتطفو على سطح الانتخابات، وتصبح أعلى صوتًا من صوت النَّاخبين والحملات الانتخابيَّة، أو ما يمكن تسميته كما نقول في لهجتنا العاميَّة: «نشر الغسيل الوسخ»، والضَّرب تحت الحزام، والتَّنقيب عن الهفوات والزَّلات، وكل ما حاول المرء إخفاءه في مسيرته العمليَّة، وخلال حياته السياسيَّة يُخرجه الخصم، ويعرضه تحت أضواء وسائل الإعلام ليُضعف خصمه، فينصرف عنه النَّاخبون المتأرجحون الذين لم يحسموا أمرهم.
هذه هي الصراعات المرهقة والمهلكة التي تجبر السياسي خوضها للفوز بالمقعد، سواء كان هذا المقعد في دائرة انتخابيَّة برلمانيَّة أو بلديَّة، لكن كل الانتخابات تصمت أمام انتخابات كرسيٍّ بحجم كرسي الرئاسة الأمريكيَّة، والدخول إلى البيت الأبيض.
لذلك انتخابات الرئاسة الأمريكيَّة هي الأبرز على مستوى العالم، وهي التي يترقَّبها الجميع، ويتابعها بشغفٍ؛ لأنَّه مباح فيها كل الأسلحة لإسقاط الخصم، والفوز بالوصول إلى البيت الأبيض، الذي يمثِّل منصَّة قيادة العالم.
كل ما يمثِِّل انتقاصًا ومسبَّةً، يصبح سلاحًا في يد الخصم؛ للوصول إلى هذا الكرسيِّ، الذي يُحرِّك العالم.
المعارك الانتخابية لا تُشبه معارك الأيدي والأرجل، والتناطح بالرؤوس، بل حروب تستخدم سمعة المرء وتاريخه السياسي، وربما علاقاته الشخصية، وعلاقته بأسرته، تكشف المستور، وتفضح المخبوء، والذي يمثل عثرات تعثَّر بها السياسي خلال مسيرته الطويلة للوصول إلى الكرسي، أو أنها افتراءات نتيجة مكائد تُحاك ضد الخصوم، لتشويه سمعته، وتلويث ثوبه، وربما يكون فيها شيء من الحقيقة، أو أنها محض أكاذيب، فالحقائق والأكاذيب خلال المعارك السياسيَّة تلتبس على النَّاخب، فإمَّا أنَّه يستخدم العقل والمنطق لفحص ما يُثار عن المتنافسين، أو أنَّه يسير مغمض العينين خلف الشَّائعات والإثارة!.


